لم ترحم انتقادات الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الأصدقاء ولا الخصوم على حد سواء، ففي كتاب صدر أخيراً يحوي «دردشاته» على مدى سنتين مع اثنين من مراسلي صحيفة «لو باريزيين»، وجه «ساركو»، كما يطيب للفرنسيين تسميته، كلمات جارحة، ليس فقط ضد زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية اليمينية المتطرفة مارين لوبن التي وصفها بالمرأة التي تتشبه بالرجال السوقيين..

والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي وصفه بالنذل سيئ الهندام الذي يأكل البطاطس المقرمشة، بل أن انتقاداته القاسية طالت أيضاً جميع أعضاء حزبه، الذين دعاهم بالحمقى، وهو الأمر الذي شكل برأي المراقبين عثرة إضافية أمام طموحه للعودة إلى عالم السياسة.

وأفادت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، في تقرير نشرته أخيرا، أن أعضاء حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية أصيبوا بالصدمة، لا سيما وأن ساركوزي كان يخوض حملة قيادة الحزب في الانتخابات التمهيدية، أخيرا، منتقداً الذي يقولون إن عودته تواجه مشكلات، وذلك في حرب ضروس داخلية على قيادة حزب يمين الوسط، رشحت عنها فضيحة رسمية نشرت تفاصيلها صحيفة «لوموند» الفرنسية..

وتتعلق بمزاعم مفادها أن فرنسوا فيون، رئيس الوزراء السابق في عهد ساركوزي ومنافسه على قيادة حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، طلب من صديقه رئيس طاقم الموظفين في قصر الإليزيه جان بيير جوييه، بتسريع التحقيقات القضائية ضد ساركوزي، وهو ما نفاه فيون، الذي قال أخيراً إنه سيقاضي صحيفة «لوموند».

حالة تمزق

لكن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية كان يعيش حالة تمزق من دون أي مساعدة من الإليزيه، حتى قبل عودة ساركوزي إلى السياسة في سبتمبر الماضي، وذلك بسبب الفضائح والديون الهائلة والتنافس الحاد بين قياداته.

وقد تكون عودة ساركوزي المبكرة إلى السياسة برأي المراقبين، رغم تبريرها بتعابير وطنية، مرتبطة بارتفاع شعبية منافسه آلان جوبيه لخوض الانتخابات التمهيدية المتوقعة عام 2016، بالإضافة إلى تكاثر التحقيقات التي تلاحقه بشأن الإنفاق الهائل غير القانوني (والتغطية عليه) خلال حملته الرئاسية الفاشلة عام 2012.

وهذا التنافس الحزبي كان جلياً في الكتاب، حيث وصف ساركوزي رئيس وزرائه السابق فرنسوا فيون بـ «الفاشل»، قائلا: «على ما يبدو أنه عانى الكثير على مدى السنوات الخمس الماضية (كرئيس وزراء). ربما كان يفترض بي إخراجه من بؤسه»، كما في التهجم على منافسه الحزبي الأكثر خطورة آلان جوبيه الذي قال عنه: «أنا معجب به كثيرا، فهو يكبرني بعشر سنوات. فهل يمكن أن أحلم بمنافس أفضل؟ إنه يجعلني أبدو شابا».

وساركوزي لا يخفي أيضا مشاعره المناهضة لخصومه، أمثال مارين لوبن، التي قال عنها بنوع من الاشمئزاز :«إنها كسولة، غبية، وتبدو مسترجلة، تتصرف بطريقة فظة متشبهة بالحمّالين السوقيين».

أما فرنسوا هولاند الذي هزمه في عام 2012، فقال عنه: «إنه سيئ الهندام، ويأكل البطاطس المقرمشة، لكن عندما تؤدي وظيفة عامة، عليك أن تأخذ مزيداً من الحذر.. ويثير جسم الرئيس اهتمامي، ويتعين عليه أن يكون نظيفا، وأنيقا ودون عيوب»، معربا عن صدمته أيضاً من معاملة هولاند لصديقته السابقة فاليري تريرفيلر التي تخلى عنها بعد تقارير عن علاقة تربطه بالممثلة جولي غاييت.

وكان ساركوزي قد صرح في يناير الماضي قائلاً: «يا له من نذل! ما فعله يكشف الكثير عن شخصيته» محذرا بالقول: «لم نسمع بعد آخر ما في جعبة فاليري تريرفيلر»، وذلك قبل أشهر من نشر هذه الأخيرة مذكراتها. وهجوم ساركوزي على هولاند لم يكن يعني أنه يكن أي اهتمام فعلي بصديقته السابقة التي قال عنها في الكتاب: «لطالما وجدتها غبية ومتغطرسة» و«لم تكن صحافية ماهرة».

يذكر أن انتقادات ساركوزي للأصدقاء والخصوم كانت تترافق مع تراجع في شعبيته أخيرا. تقول أستاذة التاريخ في جامعة فرساي سانت كونتين-أن-ايفلين، كريستيان دلبورت: «قد يكون المخلصون في الحزب يريدون عودته، لكن 60% من عامة الناس لا ترغب بذلك». وساركوزي كان يخسر دعم حزبه أيضا، وفقا لأحدث استطلاعات مركز «افوب»، وعندما صوت أعضاء حزبه على زعيم جديد في مجلس الشيوخ أخيرا، فإن مرشحه المفضل لم يفز بالمنصب.

مع ذلك، لا تزال الانتخابات الرئاسية بعيدة، وهناك وفرة من الوقت ليتقدم في استطلاعات الرأي، لكن لا توجد سابقة فاز فيها رئيس فرنسي مهزوم بولاية ثانية، وحملته قد تكون اكثر تعقيدا، فإلى جانب مواجهة منافسة شرسة داخل حزبه، يصارع ساركوزي مع المدعين العامين بشأن اتهامات بالفساد، ومع تغيير صورته التي أدت إلى هزيمته في الانتخابات الرئاسية السابقة.

بالترشح لرئاسة الحزب اليميني «الاتحاد من اجل حركة شعبية»، وضع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي نفسه في موقع غير مريح، يكمن في خوض وظيفة أقل نطاقاً وبريقاً من رئاسة فرنسا، وقد أصبح هدفاً لحملة يشنها اليسار الفرنسي..

حيث يشير مسؤولون في إدارة الرئيس الفرنسي هولاند بشكل روتيني إلى المشكلات التي أورثهم إياها ساركوزي في عام 2012. وأخيرا نشروا أرقاما تظهر أن رحلات الرئيس السابق في عام 2011 كانت تكلف في المعدل ثلاث مرات كلفة سفريات هولاند في عام 2013، في تذكير بصورته كمنفق مسرف.

وحملته قد تكون اكثر تعقيدا إذا حاول الوصول إلى الرئاسة الفرنسية في عام 2017، فمنذ إعلان عودته للسياسة في سبتمبر الماضي على فيسبوك، كانت شعبيته تتراجع في استطلاعات الرأي العام.