انطلق مهرجان موسيقى الجاز في لندن، المعروف اختصاراً باسم «إي. إف. جي»، هذا العام بنهجه المعتاد الخاطف للأنفاس، واستعرض عدداً من أنماط موسيقى الجاز، حيث نفخ يان غاربارك في آلة السكسوفون سوبرانو بحماسة مجلجلة، بدا معها وكأنه يرسم بالصوت تصاعد أعمدة الرخام المرتفعة نحو قبة المكان الصاخبة بالأصداء.

وشق العازف براندفورد مارساليس طريقه إلى الحضور على أنغام موسيقى الجاز المعاصرة الصوانية، التي تختال بأناقة وسحر المدرسة القديمة لموسيقى الجاز. أما عملاق البيانو الجنوب إفريقي، عبدالله ابراهيم، فقد عزف ألحاناً ناعمة من الموسيقى الأحب إلى قلبه، أمام جمهور أصغى طويلاً لأدائه في قاعة الاحتفالات الملكية. وذكرت صحيفة «غارديان» البريطانية، في تقرير لها حول المهرجان السنوي، أن كلاً من غاربارك وفرقة هيليارد أنسمبل يختتمان شراكةً امتدت لعشرين عاماً، في حفل في ساحة كنيسة المعبد الدائرية، التي شكلت مساحة الصدى المثلى لأصوات هذا الخماسي الأثيري.

افتتح غاربارك اللوحة الموسيقية بعزف مقاطع صوتية طويلة، دخل على إيقاعها المغنون ببطء، وتقدموا نحوه، مازجين بأصواتهم النغمات الصافية وصخب ألحان القيثارة. وامتدت مجموعة الأغنيات التي أدتها الفرقة من القرن الحادي عشر وصولاً إلى أغنيات من الزمن الحديث. وعلى وقع رقصة نابضة بالحياة، مستوحاة من العصور الوسطى، غدا عزف غاربارك أكثر تماشياً مع الإيقاع في مقطوعة منفردة عزفها وزينها بلمحات من أنغام موسيقى البلوز.

أما في مركز ساوثبانك للفنون، فقد كان عازف الساكسوفون براندفورد مارساليس ورباعيته المتمكنة يؤدون مقطوعات موسيقية روحية، ومعزوفات أصلية للعملاق ثيلونيوس مونك، إضافة إلى تهويمات ناعمة تعكس أسلوب العازف المتميز في الجمع بين السوبرانو والساكسوفون. وتفوقت أثناء العرض التبادلات الموسيقية المتقنة بين عزف جوي كاديرازو من فرقة مارساليس على البيانو، وإيقاعات الطالب النيويوركي إيفان شيرمان على آلة الطبلة، ومرافقة عزف بعض الآلات الأخرى.

راقصة الإيقاعات

وفي مكان آخر، كانت فرقة «ديديكايشن أوركسترا» ذات إيقاعات الجاز الجنوب إفريقية المتنوعة، راقصة الإيقاعات، والصاخبة بالحياة لكل من دودو بوكوانا، وكريس ماكغريغور، وآخرين تمتع الجمهور بلحظات من الموسيقى العشوائية، إلا أنها كانت تتناسق معاً في عزف مقطوعات ترتقي إلى مستوى الترنيم الروحي من موسيقى الجاز ذات الطابع الإفريقي. وتميزت أنغام العازفين الآخرين بالوضوح والأصالة، وتناغمت مع عزف أندريه موركيسون المرافق على آلة الترومبون الموسيقية. وتألقت الفرقة بعزف جماعي حافل بتذكارات موسيقى عازف البيانو الشهير ديوك إلينغتون، صاحب التأثير الأكبر على موسيقى عبدالله إبراهيم.

تفاعل حميمي

عازف البيانو الجنوب إفريقي عبدالله ابراهيم أثبت مدى قدرته على التفاعل الحميمي مع الجمهور. فبالكاد لامست أنامله مفاتيح الآلة، حتى فك رموز أحجيات المقطوعات الكلاسيكية الأصلية، كتلك التي تحمل عنوان «أفريكان ماركتبلايس»، أي «السوق الإفريقي»، و«ذا ويدينغ»، أو «حفل الزواج». وتكررت أجواء الإثارة مع مقطوعات موسيقية مماثلة رافقها العزف على آلتي التشيللو والمزمار. وارتفعت حدة الأنغام الهادئة قليلاً والاستعارات المستوحاة من موسيقى الجاز مع سباعية «إيكايا»