تعد قراءة الكتابات والنقوش أفضل طريقة لسبر أغوار وحياة المواقع التاريخية الإماراتية الموجودة في الجزء الشرقي الجنوبي من الجزيرة العربية، حيث تكشف الخصائص والمقومات المكانية التي أكسبت تلك المواقع عمقاً تاريخياً وأهلتها لاحتضان تلك الحضارات الكبيرة وكذلك إيضاح بعض الغموض الذي اعتراها على مدى السنوات الطويلة والإتيان على جوانب من مجتمع المنطقة القديم كالعائلة والمرأة والنشاط الحرفي والاقتصادي والتواصل الحضاري.
ثراء
ويقول عيسى يوسف مراقب المسح والتنقيبات الأثرية بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة إن الباحث في تاريخ وآثار الإمارات يجد أن هناك ثراءً في المواد الأثرية المكتشفة داخل دولة الإمارات والتي أثبتت مدى قدم الإنسان على أرضها وعلاقته الخارجية التي أرست قواعد ثقافة واضحة في كل فترة من الفترات الحضارية، ولعل أهم هذه المكتشفات التي تدل على ثقافة المنطقة هي الكتابات والنقوش التي اكتشفت على أرض الإمارات كونها تعزز الكثير من المفاهيم والمعتقدات التي سادت في تلك المواقع.
وبخصوص أهم المواقع التي عثر فيها على كتابات ونقوش أثرية.. يضيف «في موقع دبا الحصن تم اكتشاف كسرة لجرة ذات طينة برتقالية اللون وهي من أنواع الجرار التي تعرف بجرار «الامفورا» الإغريقية حيث وجد حرف واحد على الكسرة .
وهو حرف اللام وفي موقع الدور لعل أشهر نقش مكتشف يعود بفترته إلى القرن الأول الميلادي هو نقش من ثمانية أسطر باللغة الآرامية على حوض حجري اكتشف بجانب المعبد وفي وسط النقش تماماً اسم إله شمس «شمش» وكانت اللغة الآرامية تستعمل في شرق الجزيرة العربية ابتداءً من القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد وكان الإله (شمش) هو المعبود الرئيسي في مدينة الحضر العربية في العـراق.
فخارية
ويوضح يوسف أنه في موقع مويلح عثرت البعثة الأسترالية على كسرة فخارية تحمل ثلاثة أحرف عربية بخط المسند ويؤرخ على أنه أقدم نقش تم العثور عليه إلى الآن في جنوب شرق الجزيرة العربية وأهمية النقش الحقيقية تقع في أنه كان قد كتب على الإناء قبل حرقه وأن هذا الإناء محلي الصنع وهذا يشير إلى أن قسماً من السكان المحليين كانوا قد فهموا ذلك الخط والنقش يمكن قراءته على النحو التالي «ل م ب».
ويشير إلى مبخرة تم العثور عليها لها شكل مشابه لقطعة من موقع الدور لكنها مزخرفة بشكل أنثوي وحليات هندسية مدهونة بالأحمر في زخارف شريطية يمكن أن تكون أصولها من الساحل الباكستاني الإيراني لمكران.
كما اكتشفت مقابض جرار «الأمفورا» الإغريقية من رودس حيث عثرت فرقة التنقيب العراقية على اثنتين منهما وتحمل إحداهما اسم الصانع «إياسونس - جيسن» ويمكن إعادة تاريخها إلى أوائل القرن الثاني قبل الميلاد وعلى القطعة الثانية اسم الصانع وشهر الصنع «بانومو انتيغونو» وكذلك طبعة ختم وردة رودس.
مقابض
ويقول إنه في عام 1986 عثرت البعثة الفرنسية على مقبض جرة روديسية عليها اسم القاضي «ارستونس» مع اسم شهر الصنع «ثيومفوريوس» وثبت أن قاضياً رودسياً اسمه «أرستون» كان يمارس عمله لمدة عام في وقت ما بين عامي (182 و176) قبل الميلاد، ومن المقابض التي عثر عليها فريق الآثار التابع لإدارة الآثار في الشارقة مقبض جرة «أمفورا» عليها رأس «هيليوس» «ربـة الشمـس».
ورداً على سؤال بخصوص كيف يمكن قراءة الاتصالات الخارجية للمواقع من خلال النقوش والكتابات والبضائع التي اكتشفت، يوضح مراقب المسح والتنقيبات الأثرية بدائرة الثقافة والإعلام أنه لو أخذنا موقع مليحة كمثال فقد يمكننا من خلال هذه المجموعة من مقابض الجرار الإغريقية الاستدلال ومعرفة مدى الاتصال التجاري لمنطقة مليحة مع العالم الخارجي.
مقتنيات
ويضيف: «من البضائع والمقتنيات الأخرى التي وجدت في الموقع جرة «أمفورا» مصرية ذات طينة حمراء اللون تعود في فترتها إلى القرن الأول الميلادي وهي معروضة حالياً في متحف الشارقة للآثار، كما اكتشفت أوعية مزججة تعود بفترتها ما بين القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الرابع الميلادي وهي مستوردة من بلاد الرافدين (العراق) أو سوريا، وتم العثور على كسر فخارية من اليونان «الفخار الأتيكي».
ووجدت جرار فخارية وكسر فخارية ذات طينة حمراء مصبوغة وعليها نقوش ورسومات مستوردة من الهند أو باكستان وتعود بفترتها ما بين القرن الأول الميلادي وحتى القرن الرابع الميلادي بالإضافة إلى أوعية زجاجية و إناء زجاج «الألف وردة».
ولعل هذا التنوع في بضائع مليحة أعطى الموقع أهمية في الاتصالات الخارجية التي لابد أن جزءاً من هذه المواد قد استوردت عن طريق البحر، والمنفذان الوحيدان اللذان يمكن ذكرهما ميناء الدور على ساحل الخليج العربي وميناء دبا على الساحل الشرقي.
أسماء
يشير عيسى يوسف إلى أن أسماء الأعلام المذكورة في النصوص هي: «عبيدن.. أوس.. ذي بنت.. تشمتكتبي.. امرؤ الشمس.. وهب اللات".. وأما بالنسبة لاسم امرؤ الشمس فكلمة امرؤ هي لفظة قد تكون آرامية وتعني الرجل ومنها امرؤ القيس وقد تعني أن سكان المنطقة كانت ألفاظهم فيها شيء من الآرامية.
تنوع
يقول عيسى يوسف إنه من خلال المكتشفات الأثرية في مليحة نجد أن الوثائق المكتوبة في مليحة قد كتبت على مواد متنوعة فقد كتبت على الطوب وكذلك على المواد النحاسية والحجرية والفخار، وهذا التنوع حتى لو كانت هناك فروق زمنية غير بعيدة بين بعض المكتشفات.


