تروي المواقع الأثرية في دولة الإمارات العربية المتحدة قصة حضارة ضربت بجذورها في عمق التاريخ، حيث تشير المكتشفات الأثرية إلى العصور والحقب الزمنية المختلفة التي أبدع وساهم فيها الإنسان الإماراتي، من خلال تواصله مع الحضارات الإنسانية آنذاك.

أسرار العصور

والدالف إلى موقع «مويلح الأثري» الكائن خلف الجامعة الأميركية في الشارقة لا يرى حدوداً معينة لروعة وجمال المشهد، فمنازلها التي لملمت أسرار العصور الغابرة تشكل تناغماً ودفئاً لعلاقة ما زال التاريخ يقصها على الأجيال المتعاقبة، وتلك الآثار بمخزونها الغني إلى حد الترف، تعد منجماً نفيساً يغري الباحثين والدارسين على الإفادة منه في الوصول إلى جوانب علمية معرفية وتاريخية وأثرية كثيرة.

لكن هذه الاكتشافات الأثرية بلغت ذروتها، بعد اهتمام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس وباني دولة الإمارات، بالآثار والتراث، ودعمه المستمر لأعمال التنقيب والمسح الأثري..

حيث أمر منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين، بوضع خطط محلية واتحادية للمسح الأثري الشامل لأراضي الدولة، وقد نتج عن ذلك تسجيل الكثير من المواقع الأثرية، بالإضافة إلى العثور على عدد من النقوش والكتابات الصخرية.

وجه الشيخ زايد، يرحمه الله، منذ بداية الاتحاد، بإنشاء وزارة للثقافة والإعلام، نظمت عمليات البحث والتنقيب والدراسة، بالتنسيق مع مراكز البحوث والجامعات والمؤسسات العلمية المتخصصة في العديد من دول العالم، لتخرج بمئات المقتنيات والمقابر الأثرية التي تم التنقيب عنها، خاصة بمنطقة مليحة، إذ تعد خير شاهد على وجود الكثير من الإرث الحضاري والثقافي الذي تحتضنه مختلف إمارات الدولة.

وبإشراف مباشر من الشيخ زايد، وبموجب اتفاقية للتعاون بين العراق ودولة الإمارات، بدأت في يناير عام 1973 بعثة عراقية بالتنقيب في موقع مليحة لموسم دام ثلاثة أشهر..

ومن شدة شغفه بالآثار وحبه للمواقع الأثرية، زار الموقع الذي يقع على بعد حوالي 20 كم جنوب مدينة الذيد ، وعلى بعد 50 كم شرق مدينة الشارقة بتاريخ 6 مارس عام 1973، وجال به لمدة ساعتين كاملتين، بعد أن وصل لمسامعه العثور على بيوت ذات غرف متعددة وأوان فخارية يرجع تاريخها إلى عصر ما قبل الميلاد.

زيارة زايد

وشاهد الشيخ زايد، يرحمه الله، خلال زيارته الآثار التي عثر عليها بالموقع، وأخذ يتفحصها بنفسه، ودار حوار بينه وبين أعضاء بعثة التنقيب التي تعمل في المنطقة حول أهمية الآثار التي عثر عليها..

والتي يعود تاريخها إلى 250 عاماً قبل الميلاد، وقد أظهرت تلك الآثار أن الإنسان استقر وعمل بالزراعة في المنطقة، والقدماء الذين سكنـوا الموقـع مارسوا سباكـة وصناعـة الحديـد. وأوضح رئيس البعثة للشيخ زايد خلال تلك الزيارة، أن موقع مليحة يرتبط ارتباطاً جغرافياً بمنطقة أثرية مهمة قريبة، وهي (المدام)، التي تبعد حوالي 12 كيلومتراً إلى الجنوب من مليحة.

وقال رئيس البعثة العراقية للشيخ زايد حينئذ: إن الاكتشافات الأثرية في المكان لها أهميتها من الناحية التاريخية والعلمية، فقد تم فيها اكتشاف مقابض لجرار فخارية عليها طبعات لأختام يونانية، وبعض الحروف اليونانية، والرموز الواضحة التي عرفت في القرن الثالث قبل الميلاد..

كما تم العثور في الموقع أيضاً على مجموعة كبيرة من بقايا السيوف والسهام الحديدية وكتل حديدية بأحجام مختلفة. وسأل المغفور له بإذن الله، في تلك الزيارة، عن مصدر تلك الكتل الحديدية؟.. وأجابه رئيس البعثة: إن الحديد موجود في الجبال القريبة .

تراكمات

وتفقد الشيخ زايد أعمال الحفريات التي أسفرت عن وجود تراكمات من فتات الكلس بأحجام مختلفة، وموضوعة فوق أرضية مصنوعة من الطين.. واستفسر عن تلك التراكمات التي يبلغ محيطها حوالي 14 متراً وارتفاعها 3 أمتار تقريباً.. وأوضح له رئيس البعثة أن التعليل الأولي لوجودها، هو أنها كانت تستخدم لأغراض دفاعية، نتيجة لانعدام الموانع الدفاعية الطبيعية في سهل المليحة والمدام.

فخاريات

ومن جانبه، يستدعي عيسى يوسف مراقب المسح والتنقيبات الأثرية بدائرة الثقافة والإعلام، ذكرى تلك الزيارة قائلاً: «بعد زيارة المغفور له الشيخ زايد للموقع، أنهت بعثة الآثار العراقية موسم التنقيب، والذي كان موسماً واحداً دام ثلاثة أشهر، لكن استمر التنقيب في موقع مليحة».