أخفق المستشار الألماني السابق هلموت كول في وقف طباعة كتاب مثير للإحراج، هو عبارة عن أشرطة مسجلة لمقابلات كان قد أجراها مع كاتب سيرته الذاتية السابق، يصب فيها جام غضبه على السياسيين الألمان وغيرهم، وتحديداً على تلميذته السابقة في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

حيث يقول عنها «تلك الفتاة بالكاد كان يمكنها الإمساك بالسكين والشوكة بشكل صحيح»، و«كانت تتسكع وتتلكأ كثيراً خلال حفلات العشاء الرسمية إلى درجة أنه طلب منها مراراً أن تضبط تصرفاتها».

وإلى جانب الحط من شأن ميركل، أفادت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية في تقرير نشرته أخيراً، أن المستشار الألماني السابق، الذي أشرف خلال ولايته على إعادة توحيد ألمانيا، جادل أيضاً ضد المبالغة في تقدير الدور الذي لعبته حركة الحقوق المدنية في ألمانيا الشرقية في مواجهة النظام السابق عام 1989 في سلسلة الاحتجاجات، التي أصبحت معروفة باسم «الثورة المخملية»، معتبراً سقوط جدار برلين نتاجاً لجمود الاقتصاد السوفييتي وإنهاء غورباتشوف للنظام السابق.

وقد اختلف كول مع كاتب سيرته الذاتية السابق هربرت شوان، بعد أن عقدا أكثر من 600 ساعة من المقابلات المسجلة في عام 2001 و2002، وهي السنة التي انتحرت فيه زوجة كول السابقة، بعد معاناة من حساسية تجاه الضوء. ويقول مؤلف الكتاب إنه أمر بإعادة الشرائط، بعد أن اختلف مع زوجة كول الجديدة مايكي كول- ريتشر.

وفي الكتاب، الذي صدر أخيراً وبيعت منه 100 ألف نسخة فور صدوره، لم يكتف كول البالغ من العمر 84 عاماً بمهاجمة ميركل ضمن السياسيين الألمان..

بل وصف وزير العمل السابق نوربرت بلوم، الذي كان له دور كبير في الكشف عن فضيحة عمليات التمويل غير القانونية للاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني، هذه الفضيحة التي كادت أن تودي به السجن عام 1999، بأنه «خائن»، كما أنه وصف كريستيان وولف الذي أصبح رئيس ألمانيا في ظل ميركل قبل أن يجبر على الاستقالة، بسبب جملة من المخالفات بـ«الفاشل» و«التافه».

وكان كول قد أعلم محاميه قبل صدور الكتاب بضرورة الدعوة إلى جلسة طارئة للمحكمة العليا لوقف الكتاب الذي صدر تحت عنوان «إرث: سجل كول المدوّن».

والمحكمة أبلغت مؤلف الكتاب، في أغسطس الماضي، بأنه ينبغي عليه إعادة الشرائط إلى كول، لكن شوان قام بتأخير تسليمها إلى أن تمكن من إعداد محاضر مدونة كاملة عن المحادثات بينهما.

وفي الكتاب الذي نشرت مقتطفات منه مجلة «دير شبيغل» الألمانية، طالب كول بعدم المبالغة في تقدير دور حركة الحقوق المدنية في ألمانيا الشرقية، وقال في إشارة إلى الاحتجاجات المعروفة باسم «الثورة المخملية»: «سيكون من الخطأ التظاهر بأن معجزة نزلت فجأة على ليبتزغ وغيرت العالم»،.

وبدلاً من ذلك يرى أن سقوط الحائط كانت نتيجة جمود اقتصاد الاتحاد السوفييتي، حيث قال: «اطلع غورباتشوف على ما تحويه الكتب، وكان عليه الاعتراف بأن لعبته قد انتهت، وأنه لم يعد بإمكانه أن يمنع سقوط النظام». واستتبع ذلك بالقول: «يكمن إرث غورباتشوف في قراره بإنهاء الشيوعية، وقد تم ذلك جزئياً ضد إرادته، لكنه قام بذلك بحكم الأمر الواقع من دون عنف ومن دون سفك دماء».

تبرعات سرية

ويرى المعلقون أن كول الذي تراجع دوره في الحياة العامة منذ سقوطه الكبير، كان غاضباً لأن حياته السياسية انتهت بعد فضيحة الحسابات السرية غير القانونية لحزبه عام 1999، والصحافة كشفت عن انتهاكه للقوانين المنظمة لتمويل الأحزاب السياسية في ألمانيا بقبوله مبالغ في شكل تبرعات سرية لصالح حملته الانتخابية...

وقبوله بهذه التبرعات السرية تم على دفعتين، عندما كان رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، وعندما أصبح مستشاراً، حيث تلقى ما بين عامي 1993 و1998 ما مجموعه 2.1 مليون مارك من مصدر يرفض حتى الآن البوح باسمه، وهذه الملايين وضعت في صندوق الحزب.

ويعلق بعضهم بالقول، إن فتحه النار على السياسيين الألمان وغيرهم في الخارج يعود إلى إحباطه لتصوره أنه لم تعد هناك حاجة إليه على المسرح الدولي، بعد أن أمضى في منــصبه مستشاراً لألمانيا 16 عاماً.

شخصية وتاريخ

هلموت كول هو مستشار ألمانيا على مدى 16 عاماً، وقد ظل في الحكم أطول مدة قضاها مستشاراً في ألمانيا من عام 1982 حتى عام 1998.

درس كول الحقوق والتاريخ في جامعة فرانكفورت، وتابعها في جامعة هايدلبرغ، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية.

أمضى حياته السياسية في الحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني، حيث كان عضواً في برلمان ولاية راينلاند ـ بلاتينيت بألمانيا الغربية خلال الفترة 1959-1976، ورئيساً لوزراء الولاية بين أعوام 1969-1976. وقد تولى رئاسة الحزب في عام 1973، وفي عام 1976 أصبح عضواً في برلمان ألمانيا الغربية البوندستاغ.

شهدت ألمانيا والعالم وأوروبا أحداثاً غير عادية في عهده، منها الوحدة الألمانية، والوحدة النقدية الأوروبية. انتهت حياته السياسية عندما كشفت الصحافة أمر تورطه في فضيحة تلقيه الملايين في صورة تبرعات من مؤسسات مالية كبيرة وضعت في خزينة حزبه.