من مقاعد الدراسة إلى أضواء الكاميرا وأسلاك الميكروفون، تبدأ رحلة الإعلامي بين الشغف بالنجومية، وأروقة الجامعة وصولاً إلى الجمهور، لتتبلور خبراته بين دراسة نظرية وتطبيق عملي، يؤهله للجلوس على كرسي المذيع، متحدثاً باسمه إلى مُشاهد ومستمع واعٍ، فيخاطبه، ويقدم له المعلومة، ويجيب عن تساؤلاته، ويزيد وعيه بما يدور حوله.
وبين دور الجامعات والمؤسسات الإعلامية يحتار المشاهد، ما يدعونا للتساؤل: هل الدراسة الأكاديمية تكفي لصنع إعلامي متمكن، أم أن ما نراه هو جهود تلفزيونات وإذاعات ومؤسسات إعلامية لا تعترف بالشهادة الأكاديمية، أم هو تعاون مشترك بين الجهتين؟ «البيان» تواصلت مع خبرات إعلامية وأكاديمية ليجيبوا عن تلك الأسئلة في التحقيق التالي:
هوس
«إعلاميون كثيرون ليسوا خريجي إعلام، ولكن التلفزيون والإذاعة هما من صقلا خبرتهم في هذا المجال»، هذا ما أكده الإعلامي جمال مطر، المذيع بإذاعة دبي، مشيراً إلى أن الإذاعات ساهمت في تخريج مذيعين جيدين، وقال: أنا مؤمن بأن الإعلامي الحقيقي هو من «يشتغل» على نفسه، فليس بالضرورة أن يكون خريجاً جامعياً، بل الأهم من ذلك أن يكون صاحب رأي وفكر، وليس مجرد ببغاء يردد ما يمليه عليه الآخرون.
وذكر مطر أن كثيراً من خريجي الإعلام لا يعملون في نفس مجال تخصصهم، وليس كل خريج إعلام يصلح ليكون إعلامياً، وأكد أن الجامعات تقدم خبرات محدودة ونظرية للطالب، وقال: برأيي أنه يجب تقنين سنوات الدراسة الأكاديمية النظرية للإعلام، ليكون للتطبيق العملي دور في إكمال هذه المهمة، كما أنه ليس من الضروري أن يكون الإعلامي متخصصاً في الإعلام، فالأهم من ذلك أن يمتلك «الهوس» بهذا المجال ما يدفعه لأن «يشتغل» على نفسه، ليأتي هنا دور التلفزيون في احتواء هذا الهوس وتحويله إلى إبداع حقيقي.
مخرجات ضعيفة
أكد الإعلامي إبراهيم استادي المذيع بإذاعة دبي، أن المخرجات التعليمية في الجامعات ضعيفة جداً، وتحديداً في مجال الإذاعة والتلفزيون، وقال: يجب أن يكون هناك تركيز أكثر على الطالب، فالإعلام يحتاج إلى الموهبة في المقام الأول، ثم إلى الدراسة.
وأكد أن ما نراه في الإعلام المحلي هو نتاج تلفزيون وإذاعات، وقال: من خلال عملي في الإذاعة، قمت بتدريب عدد من الخريجين، لأُفاجأ بهم - بعد التدريب - يهربون إلى فرص أخرى بحثاً عن النجومية، فـ 90 % ممن دربتهم جاؤوا بهدف النجومية، وللأسف، هذا اللغط والربط بين الإعلام والنجومية، يدمر مفهوم الإعلام في ذهن الجيل الحالي. وذكر استادي أن الكثير من المذيعين الشباب ليسوا نتاج دراسة أكاديمية تلقوها في الجامعات، ولا نتيجة جيدة لتدريب التلفزيونات.
وقال: لا يمكننا اعتبارهم إعلاميين، بل مذيعين أو قارئين، فهناك من يقوم بمهمة الإعداد ليكتفوا بقراءة المادة المتوفرة أمامهم، وبرأيي، الإعلامي يجب أن يكون مُوَرِّداً للمعلومات، ودوره يكمن في تقديم معلومة تنفع المشاهدين. وعن بداياته قال: وجدت ما أبحث عنه من خبرات في أشخاص معينين في الإذاعة، كانوا على استعداد دائم لتقديم المعلومة لي، وكنت محظوظاً للعمل معهم، وهؤلاء فعلاً من ساعدوني.
وعن مقترحاته قال: أطالب بوجود خطة مشتركة، وتعاون بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية، وذلك بأن تقدم المؤسسات الإعلامية البرامج للجامعات لتعمل عليها، ولن ترفض الجامعات هذا التعاون، طالما أنه يصب في مصلحة الطالب.
موهبة وشغف
«ما نراه على الشاشة نتاج مهارات ذاتية وتجربة في الحياة، ودورات مكتسبة واحتكاك مع إعلاميين قدامى»، هذا ما أكده الإعلامي محمد السويدي، المذيع في مؤسسة الشارقة للإعلام، وقال: ليس كل إعلامي خريج إعلام، وليس شرطاً أن يكون كذلك، فالخبرات الإعلامية تأتي بناءً على موهبة وشغف وممارسة واحتكاك، ودور المؤسسات الإعلامية هو تأهيل المذيع من خلال إكسابه لمهارات لا يتعلمها إلا في مكان عمله، فخريج الجامعة لا يكون مكتسباً لكل المهارات التي تؤهله لتولي زمام الأمور نطاق العمل، فالدراسة الأكاديمية تختلف عما يتطلبه الواقع.
وأشار السويدي إلى أن الموهبة عنصر أساسي يجب توفره في الإعلامي، وقال: من لا يمتلك الموهبة والقدرة على مخاطبة الناس ومحاورتهم بأسلوب متميز، فمن المستحيل أن يصبح مذيعاً ناجحاً. ومن خلال خبرته الشخصية، أكد السويدي أن المؤسسات الإعلامية تقدم كل الدعم للموهوب الطموح، وتفتح الأبواب للإعلاميين. وتطرق السويدي إلى نقطة مهمة، قال فيها: برأيي أن قبول الجامعات للطلاب يجب أن يتم وفق آلية معينة، إذ يجب تقييم الطالب حسب ميوله واهتماماته، واختبار مهاراته الشخصية.
رأي أكاديمي
أكد د. قيس التميمي، أستاذ الإعلام في قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات، أن الإعلامي العربي بشكل عام يحتاج إلى لغة ومعرفة وثقافة عامة، تؤهله لمقابلة الجمهور، وقال: يجب أن يكون لدى الإعلامي إلمام بما يدور حوله، ليستطيع أن يناقش ويضيف ويدخل في حوارات علمية وثقافية.
وأشار إلى أن الدراسة الأكاديمية وحدها لا تكفي لصنع إعلامي ناجح، وقال: اقترحت أكثر من مرة أن يتم تقنين الدراسة الأكاديمية لسنتين، يتبعها دراسة عملية لسنتين أخريين في مركز تدريب إعلامي، ما يؤهل الطالب للانخراط في مجال العمل، ويؤهله بالتالي لحمل مسمى «إعلامي». وذكر التميمي أن ليس هناك حرية مطلقة في أي إعلام كان، وقال: فالحرية مسمى يسبح في الفضاء، ولا بد من فتح مجال للحرية المعتمدة والقائمة على حقائق، ولذا، أتمنى أن يكون إعلامنا حراً طليقاً ومسؤولاً في نفس الوقت.



