معارك ثقافية وإعلامية عنيفة خاضتها غرفة أخبار صحيفة كلارين الأرجنتينة حتى استطاعت الصمود، فابتكرت أساليب جديدة لاجتذاب القراء، وطبّقت معايير الجودة في المحتوى الإعلامي المنشور في كل من الصحيفة المطبوعة والموقع الإلكتروني، حتى أصبح موقع كلارين للأخبار الأكثر شعبية في أميركا اللاتينية خلال الفترة التي تولّى فيها داريو داتري، رئاسة تحريرها، فأصبحت تجربته نموذجاً تفضله المؤسسات الصحافية الأخرى.

عن تجربته في دمج غرف الأخبار وما تحقق خلالها، قال داريو عند لقائه بإعلاميين من شبكة الصحافيين الدوليين على هامش مؤتمر مستقبل غرف الأخبارالمدمجة باعتباره مدير الاستراتيجيات والبرامج الجديدة بصحيفة كلارين الأرجنتينية ورئيس تحرير موقعها خلال الفترة الممتدة من 2008-2012.

«الابتكار كلمة السر في خلق مجتمعات جديدة من القراء لمتابعة المحتوى المنشور في كل من الوسيط المطبوع والإلكتروني، وفي ظل البيئة التنافسية لوسائل الإعلام تبقى المسألة مهمة جدا، خاصة وأن هناك أسئلة أساسية يجب طرحها عن تكلفة دمج غرف الأخبار والدافع وراء اتخاذ مثل هذا القرار، ووجود إمكانية فعلية لتحقيق التحوّل والربحية من وراء عملية الدمج». وأشار إلى ان التحول إلى غرفة أخبار مدمجة، كان في البداية عبارة عن إعادة ترتيب للمكاتب في غرفة الأخبار.

وقد استغرقت الخطوة الثانية جهداً كبيراً، لإقناع الصحافيين بأهمية اكتساب مهارات متطورة للتأقلم مع البيئة الرقمية الجديدة، والخطوة الثالثة خضع خلالها جميع العاملين لفترة تدريبية لتعلم أساسيات العمل في الصحافة الإلكترونية، مثل كيفية البحث الفعال على الإنترنت، والعمل على إنتاج تقارير الفيديو، وكيفية التعامل مع نظم إدارة المحتوى، ثم وضع أساليب جديدة لتنظيم تدفق المحتوى الإخباري داخل غرف الأخبار حتى تتلاءم مع متطلبات الإعلام الرقمي.

وبفضل جهود داتري وأفكاره التطويرية الخلاقة، ارتفع عدد زوار موقع كلارين في غضون تلك الفترة من 8 ملايين زائر شهرياً إلى أكثر من 13 مليونا، والرجل كان مسؤولاً عن المشاريع الهامة في «كلارين»، وعمل رئيس تحرير لصحيفة كرونيستا الاقتصادية ومراسلا أجنبيا في إسبانيا، ومحررا اقتصاديا وسياسيا في الصحيفة كلارين.

خطة الاندماج

بدأت خطة الاندماج في كلارين عام 2008 عن طريق إضافة مكتب مركزي داخل غرفة الأخبار للتحكم في جميع عمليات إنتاج المحتوى الإعلامي للصحيفة المطبوعة والمنصات الرقمية، وزوّدت الغرفة بمكتب مخصّص لرئيس ديسك الموقع الإلكتروني الذي يشرف على الصفحة الرئيسية والمحتوى المنشور على موقع كلارين.

وأنشئت إدارات للتسويق والشؤون التجارية وتكنولوجيا المعلومات، وفي عام 2011 أطلقت أول محطة تليفزيونية «Web TV» لتقديم خدمة البث الحي عبر الإنترنت.

وبالنسبة لطاقة العمل كان عدد العاملين 40 فرداً يؤدون جميع الوظائف والمهام في موقع كلارين، ليصل الرقم الآن إلى 400 صحافي من المحررين والمصورين الصحافيين والمصممين ومحرري الشبكات الاجتماعية الذين يعملون للمنصتين معاً. ويقوم صحافيو الفيديو بإنتاج وتحرير 750 فيديو شهرياً بما يحقق 7.5 ملايين مشاهدة شهرياً للموقع.

وعن مراحل تدفق العمل الإخباري داخل غرف الأخبار وفقاً لما ذكره داتري، فيبدأ العمل في الثانية فجرا لتحديد بعض المحتوى المنشور في الصحيفة الورقية لإعادة نشره في الموقع، وعند الثالثة تكتمل عملية الإصدار الذي ينشر على أجهزة الآي باد، وفي السادسة صباحاً يتم تحديث محتويات الصفحة الرئيسية للموقع الإلكتروني كل ساعتين. ويُعقد اجتماع مجلس التحرير الأول في السابعة والنصف صباحاً لإبداء الملاحظات وبحث التطورات على الصعد كافة.

ويعقد الاجتماع الرئيسي للمحررين في الواحدة بعد الظهر لمناقشة الموضوعات التي سيتم نشرها على الويب وتحديد أفضل محتوى يمكن نشره في الصحيفة المطبوعة الصادرة في اليوم التالي. بينما تجتمع القيادات الصحافية في السادسة مساءً لتحديد محتويات الصفحة الأولى للصحيفة، والقيام بمراجعة المحتويات التي سيتم الاحتفاظ بها في الصحيفة المطبوعة، والمرسلة للموقع والهواتف والأجهزة اللّوحية، وينتهي العمل من إعداد الصحيفة المطبوعة عند الحادية عشرة مساءً لتصبح جاهزة للتوزيع.

وقال داتري إنه بعد سبعة أعوام من تجربة «كلارين»، كانت عملية الدمج بالنسبة لهم مجرد محاكاة للتجارب الأخرى والاستفادة من تجارب الصحف العالمية مثل الديلي تليغراف والواشنطن بوست وغيرهما. ودراسة استراتيجيات التسويق التي طوّرتها الشركات ذات العدد الهائل من العملاء والتعلم منها لمعرفة كيفية التواصل مع العملاء.

صراع الأجيال

واجهت المسؤولين في كلارين العديد من التحديات مثل المزج بين الثقافات المختلفة داخل غرف الأخبار، حيث يحدث صراع بين جيلين من الصحافيين، وهم الصحافيون الشباب الذين يحبون العمل في الصحافة الإلكترونية، والصحافيون من ذوي الخبرة.

وبالنسبة للنتائج المترتبة على عملية الدمج، يقوم فريق العمل بكتابة وتحرير الصحيفة المطبوعة التي توزع 300 ألف نسخة يومياً، وإدارة محطة الـويب والموقع الإلكتروني و15 من المواقع الفرعية التابعة له، وإدارة 18 مليون مستخدم شهرياً .

بالتالي يجب بذل أكبر جهد لمحاربة الصراع اليومي، الناتج عن الثقافات القديمة للمحرّرين الذين يدافعون عن مواقعهم الوظيفية ويثيرون المشكلات مع زملائهم، بدلاً من التركيز على خلق محتويات جديدة وأفكار ومنابر جديدة للتواصل مع الجمهور.

نصائح مهمة

ينصح داتري المؤسسات الصحافية التي تريد تطبيق الدمج باتباع الآليات التالية: يعتمد بناء غرفة الأخبار المدمجة على الإمكانيات المتاحة لكل وسيلة إعلامية، بالتالي يجب دراسة تلك الإمكانيات والعمل على أساسها. ويجب على المسؤولين الاهتمام بتطبيق معايير الجودة في الموضوعات المنشورة على الإنترنت.

وعلى الصحافيين المحافظة على تقاليد ومبادئ الصحافة الورقية. وتقديم وسائل جديدة لخدمة القارئ الذي يسعى إلى ما هو أكثر من قراءة الأخبار. ويجب إنشاء وتطوير منصات رقمية على أن تكون أكثر تركيزاً على السوق الرقمي. .