لا تتوقف مُطالَبات الفنانين والكُتاب والمخرجين بأكاديميات متخصصة تدعم مجال الدراما، وتصقل المواهب الجديدة، وتضخ دماء الإبداع في عروق جيل جديد عاشق لكل ما هو فن.
ولأجل الحصول على سيناريو درامي توقف حبكته الأنفاس، وأداء تمثيلي لا يقتصر انفعاله على الصراخ، ورؤية إخراجية مدروسة تمنح الروح للنص والموقف، تتعالى الأصوات مؤكدة على حق الدراما في الارتقاء بنفسها، ومُبْدِيةً دهشتها من عدم وجود أكاديميات درامية متخصصة في الدولة تتبنى الفنانين والموهوبين وتصقل مواهبهم بدراسة نظرية، يعززها أداء عملي وخبرات متبادلة، لتبقى الأكاديميات الدرامية طموحاً في دائرة الحلم، لا يعرف متى يتحقق.
«البيان» تواصلت مع عدد من مبدعي الدراما والسينما والمسرح، لترصد أهمية الأكاديميات الدرامية ومدى الحاجة إليها، ووجدت تبايناً واضحاً في الآراء، ففي حين اعتبرها البعض ضرورة لا غنى عنها، أكد البعض الآخر أنها مهمة ولكنها لا تصنع دراما، وأن الموهوب والجاد يطلب العلم ولو كان في الصين.
وإلى نص التحقيق.
ذكر الفنان عبدالله مسعود أن أكاديميات الدراما ضرورة حتمية يجب أن تتوفر في الدولة، وقال: طالبتُ بها بقوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فبدون المعاهد الدرامية لن يكتشف الجيل الجديد موهبته، ولن ينجح في صقلها بالدراسة والمعرفة والأداء.
وأضاف: نحن اليوم في 2014، وجاء الوقت لتتواجد هذه الأكاديميات على أرض الواقع دون مطالبة، فهي تمنح الثقة وتزيد الإبداع وتضع تصنيفاً حقيقياً للفنانين والموهوبين، لا سيما أن الشهادات الأكاديمية أصبحت مطلباً حقيقياً.
وأشار مسعود إلى أن العائق أمام هذه الأكاديميات يكمن في الدعم، وقال: رغم المؤشرات التي تؤكد بأننا يجب أن نكون في الطليعة في مجال الدراما، إلا أننا لا نزال بحاجة للكثير من الدعم للارتقاء بمستوى الدراما الإماراتية، ومن خلال سفري إلى مصر والكويت، لاحظت وجود خريجين شغوفين بالفن، وزادت المعاهد خبراتهم ورغبتهم في التعلم.
وأشار أن المهرجانات والمشاركات المحلية والخارجية تزيد خبرة الفنان، إلا أنها لا تقوم بدور الأكاديميات المتخصصة.
محلك سر
ووافقه الرأي المبدع المسرحي إبراهيم سالم، الذي أكد أن أي مجال فني يبقى «محلك سر» في ظل عدم وجود معاهد تدعمه، وقال: لدينا بعض الورش التدريبية، إلا أنها تكتفي بالأساسيات لعدم مرورها بمراحل متسلسلة كما هو الحال في الجامعات، وهذا ما توفره المعاهد.
وعن العائق أمام تحول المطالبة بالأكاديميات إلى واقع فعلي، ذكر سالم أن هناك ملفات مركونة في أدراج أصحاب القرار من المعنيين في المؤسسات والمشروعات الثقافية في الدولة، ولكنها لا تؤخذ بعين الاعتبار.
وأشار سالم إلى أن الجيل الجديد في الكويت محظوظ بسبب وجود الأكاديميات المتخصصة بالفنون، ما يوفر له فرصة اكتساب خبرات كبيرة، والتواصل مع أساتذة مخضرمين يلتقونهم بشكل متواصل في المعاهد أو خلال العروض والمهرجانات الفنية.
وعن مستوى الدراما الإماراتية، قال: الإمارات فيها طاقات وممثلون مبدعون، ولكن هذا غير كافٍ، فالكاتب جمال سالم يعد من أهم كُتاب الدراما في الخليج، ونحن بحاجة لأمثاله، ولذا فالأكاديميات هي من سيقدم لنا ذلك، من خلال مرور الموهوبين بمراحل تطور إمكاناتهم على أيدي أساتذة متخصصين.
قصور المناهج
«الدولة لم تقصر، والجامعات والكليات موجودة، ولكن المشكلة في المناهج» هذا ما أكدته المخرجة السينمائية نجوم الغانم، مشيرة إلى حاجة الدراما لأكاديميات، ولكن ليس عن طريق بناء أكاديميات جديدة، وقالت: يجب ألا نُعقِّد الأمور، فمن الممكن أن تكون الأكاديمية الدرامية واحدة من الأقسام الموجودة في الجامعات الكثيرة المتوفرة في الدولة.
وهذا سيتم عن طريق تطوير المناهج التعليمية، وتَبَني المناهج الصحيحة والكوادر التعليمية القوية، فالقضية لا تكمن في بناء المعاهد بقدر ما تتمثل في جدية الطلاب، ومدى رغبتهم في التعلم والتخصص في هذا المجال.
واستعانت الغانم بتجربتها في مجال السينما وقالت: بدعم الدولة، سافرتُ ودرست الإنتاج والإخراج السينمائي وحصلت على شهادتي البكالوريوس والماجستير، وهذا دليل على دعم الدولة طالما كان الطالب جاداً ومستعداً للعمل على نفسه.
وبرأيي أن الاستثمار في الفنان أهم من الاستثمار في بناء الأكاديميات، والدولة على استعداد قوي للاستثمار في أبنائها، إلا أننا بحاجة لوقفة نتساءل فيها عن الشكل التلفزيوني الذي نريد الظهور به، لنستفيد من أفضل الممارسات في مجال الفن والمناهج التي تقودنا لتطويره.
جدية ومبررات
«الأكاديميات مهمة لكنها لن تصنع دراما» هذا ما أكده الكاتب يوسف إبراهيم، مشيراً إلى أن وضع الدراما مأساوي حتى في الدول التي تمتلك المعاهد والأكاديميات الدرامية، وقال: دول عدة فيها أكاديميات ولكن لا دراما فيها، وعدم توفرها داخل الدولة ليس مبرراً.
فمن لديه رغبة جادة في التعلم، سيطور نفسه سواء وُجدت الأكاديميات أم لم توجد، لا سيما أننا في عصر الانترنت والتعلم عن بُعد، ودولتنا تدعم الجادين في السفر والتعلم.
وأشار الكاتب إلى أن أهم فناني الخليج لم يكونوا من خريجي الأكاديميات، ولكنهم نجحوا في تقديم إبداع درامي متميز، وقال: الأكاديميات تساعد على استمرارية الفن لكنها لن تُخرج مبدعين، فالقضية هي استعداد نفسي ورغبة داخلية للارتقاء بالنفس في هذا المجال. وذكر يوسف أنه دائماً ما يسعى لتطوير نفسه ذاتياً عن طريق الالتحاق بالورش والدورات وقراءة النصوص.
السينما والمسرح
لطالما استعانت الدراما بمبدعي المسرح في تقديمها، ويعد المسرح في دولة الإمارات أفضل حظاً من الدراما بسبب المهرجانات الكثيرة والمتواصلة والدعم الكبير الذي يحصل عليه، كما تفوقت السينما على الدراما في خلقها لمخرجين إماراتيين نجحوا في الوصول بأفلامهم إلى العالمية.



