تختلف الصورة التقليدية التي روج لها الإعلام للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حد كبير عن صورته الحقيقية، التي بدأت بعض ملامحها في الظهور أخيراً، ومن أبرز هذه الملامح استيقاظه في وقت متأخر، وعمله حتى ساعات متأخرة من الليل، وندرة استخدامه للإنترنت وكراهيته للذهاب إلى الكرملين وتفضيله دارته الريفية وتقسيم روتينه إلى ألوف من الشرائح، تضم كل شريحة منها 15 دقيقة، تكرس لمعالجة المواقف المعقدة العديدة التي تواجهها روسيا.
وتكهن المؤلف بن جودا، في كتابه الذي سيصدر قريبا بعنوان «الإمبراطورية الهشة: كيف وقعت روسيا في غرام فلاديمير بوتين وكرهته»، بأنه في اللحظة التي سوف تتراخى خلالها قبضة بوتين على السلطة سيودع السجن، وستحترق موسكو.
ورسم جودا ملامح الصورة الحقيقية لبوتين، من خلال مقابلات أعدت خصيصاً للكتاب، استمر اجراؤها 3 سنوات كاملة مع رؤساء وزراء روس سابقين ووزراء حاليين ومستشارين ومساعدين شخصيين للرئيس الروسي.
الأولوية للمعلومات
وأوضح جودا أن الرئيس بوتين يبدأ عمله اليومي بقراءة 3 تقارير تضمها مغلفات جلدية فاخرة، التقرير الأول هو عن الوضع في روسيا من إعداد المخابرات الاتحادية الروسية، والثاني عن الشؤون العالمية من إعداد المخابرات الخارجية الروسية، والثالث عن الوضع في مؤسسة الرئاسة الروسية من إعداد المؤسسة القائمة على جيش بكامله من المكلفين بحماية الرئيس الروسي.
وأوضح الكتاب أن بوتين مهتم بالمعلومات بدرجة كبيرة، وأكبر التقارير التي يقرأها ليست تقارير المخابرات، وإنما هي قصاصات تفصيلية من الصحف، حيث تستمد هذه القصاصات من أكثر الصحف أهمية، وفي مقدمتها الصحافة الشعبية البروسية، وعلى رأسها صحيفتا «كومسمولسكايا برافدا» و«موسكوفسكي كومسمولتس»، حيث تكتسبان أهميتهما من القراء الذين يعدون بالملايين، والذين يحرصون على بدء يومهم بقراءتها.
وينتقل بوتين بعد ذلك إلى الصحافة الروسية المميزة نوعيا، والتي تتعرض للرقابة بشكل محدود، وفي مقدمتها صحيفتا «فيدوموستي» و«كوميرسانت»، وهي تعد مهمة في ضوء أهمية كتاب الرأي عنها والتحليلات التي يقدمونها. ثم تأتي بعد ذلك قصاصات من الصحافة الأجنبية. ونادرا ما يستخدم بوتين الإنترنت، فهو يجد الشاشات متداخلة ببعضها بعضا، والوصول إلى المواقع يثير الانزعاج، ولكن مستشاريه يقومون باطلاعه بين الفينة والأخرى على بعض الفيديوهات المفعمة بالسخرية، فهو حريص على أن يعرف كيف يقوم معدوها بالسخرية منه.
وأوضح بن جودا في إطلالة على كتابه نشرها في مجلة «نيوزويك» أخيرا، أن روتين الرئيس الروسي مقسم إلى آلاف من الوحدات، كل وحدة منها تتألف من 15 دقيقة، ومخططة مسبقا على امتداد شهور بكاملها إن لم يكن سنوات.
كراهية الكرملين
وبعد المراجعات الصباحية التي يقوم بها بوتين، تقدم له الملفات التي تحمل شعار النسر، وبعد أن يلقي عليها نظرة سريعة يتبع الخطة الموضوعة له دون ابتسامة واحدة. ومعظم اللقاءات التي يعقدها بوتين هي بلا معنى من المنظور الغربي، فهو يلتقي الذين قدموا للإعراب عن تقديرهم له، وبعضهم من الشخصيات الأجنبية البارزة، ثم يراجع بعدئذ الترقيات في إدارة صناعة الفضاء الاتحادية.
ولا يقيم بوتين في موسكو، فهو يكره المكان بما في ذلك السكان والمرور وتدافع الناس، وقد اختار قصرا في نوفو أوغرايفو ليكون مقرا له، وهو يقع غرب المدينة، ويعتبره بوتين داره، حيث انه يكره الكرملين، الذي يمكنه الوصل إليه في أقل من 25 دقيقة. ويفضل العمل في ضيعته، وقد قلص المقابلات التي يجريها في موسكو من 2012، إلى الحد الأدنى، حيث لا يقابل إلا الشخصيات البارزة، والتي يتحتم التأثير فيها، أو التجمعات الرسمية التي تقتضي إشغال قاعات الكرملين المترفة.
مستقبل شائك
وليس هناك ترف في حياة بوتين، ولكن هناك وحدة مطلقة، فالرئيس الروسي ليست له حياة عائلية، فأمه وأبوه متوفيان، وقد عانت زوجته من انهيارات عصبية بعد انفصال طويل بينهما انتهى بالطلاق، وله ابنتان، ولكنهما بمثابة سر من اسرار الدولة، ولا تقيمان حاليا في روسيا.
وأشار مؤلف كتاب «الإمبراطورية الهشة» إلى أن بوتين يتصرف كما لو كان مخلوقا مصنوعا من البرونز، ويتألق كالبرونز أيضا. ويسود الصمت حوله معظم الأوقات، والمحيطون به يحدثونه بصوت خافت بقدر الإمكان، حيث تصبح وجوههم متصلبة، وينظرون إلى أسفل وقد استبد بهم القلق، وسيطرت عليهم العصبية.
ويقول أحد المترجـــمين الذين يستــعين بهم بوتيـــن:« إنــه لا يتكلم، وهو يشعر بأنه لا داع للابتـــسام، وهو لا يرغب بالتنزه ولا في الشراب، وفي أي لحظة من الزمن يكون هـــناك 10 أشخاص حوله على الأقل، ولا يمكنك تقليص المسافة بينك وبينه إلى أقل من 3 أمتار بأي حال، لأن المجال حوله محروس بشكل صارم، حيث يحيطه الحراس والمصورون والمساعدون الذين يهمسون في أذنه طوال الوقت».
وتنبأ بن جودا بأنه في اللحظة التي يفقد بوتين قبضته المحكمة على السلطة في بلاده، فإنه سيشق طريقه إلى السجن، وسيتـــخلى حلفاؤه عنه، وستحترق موسكو.
أكبر الخونة الروس
نقل مؤلف الكتاب، أخيرا، عن مقربين من الرئيس بوتين قولهم إنهم سمعوه يتحدث بصراحة في إحدى المرات، حيث تساءل في حديث مع بعض المقربين منه في نوف- أوغاريوفو :«من هم أكبر الخونة في التاريخ الروسي؟».
ولم ينتظر بوتين ردا من المحيطين به، بل بادر إلى القول: «إن أعظم المجرمين في تاريخنا هم أولئك الضعاف الذين ألقوا السلطة إلى الحضيض، وهم نيقولا الثاني وميخائيل غورباتشوف اللذان سمحا بأن يلتقط السلطة المجانين والمصابون بالهيستيريا». ويقول المقربون منه إنه أقسم على ألا يكرر ذلك مجدداً.
