بانقضاء شهر رمضان المبارك، ووداع الحلقات الأخيرة من المسلسلات الدرامية، لم تعد الصناديق مغلقة، ولم يعد ما في داخلها مجهولاً، فقد أظهرت دراما رمضان كل ما في جعبتها من أفكار ومضامين، فالأحداث عبرت عن نفسها، وباتت الرؤية واضحة للعيان.

وبين الأعمال الاجتماعية التي نقلت الخبر على صورة مشهد درامي ففاقت قدراتنا على التحمل، وأهمل بعضها الآخر الواقع فجاءت باردةً إلى حد الارتعاش، والتاريخية التي انتقت حكاياتها من الأرشيف فنجحت وأخفقت، والتراثية التي أغرقت في الماضي فلم تعكس الحاضر، والكوميدية التي رسمت البسمة متناسيةً بعض الهموم، غزت المفاجآت بعض الأعمال، وسيطرت الصدمات على البعض الآخر، ولكن أغلبها، لم يعبر عن الأوجاع التي تعيشها المجتمعات العربية في ظل الأحداث التي تمر بها، فكان كالمرآة المكسورة لا تعكس واقعاً فعلياً.

«البيان» تواصلت مع مجموعة من صناع الدراما، ما بين فنانين وكُتاب ومنتجين، لتستطلع آراءهم في المسلسلات المحلية والخليجية والعربية التي أطلت في رمضان هذا العام، ليتفق أغلبهم على أنهم لم يروا الواقع في عيون الدراما، ولم تعكسه كاميرات التصوير، ولا سيناريوهات الكُتاب، ولا رؤى المخرجين.

وإلى نص التحقيق.

أكد الفنان حبيب غلوم أن دراما رمضان لم تعبر عن الواقع العربي المُعاش لا من قريب ولا من بعيد، مؤكداً أن مسلسلات العام الماضي سعت جاهدة للتقرب من بعض القضايا، إلا أن هذا العام لم يشهد وعياً كافياً بذلك، وقال: عدم القدرة على استيعاب ما يحدث في أرجاء الوطن العربي، صَعَّب مهمة صناع الدراما في عكس الواقع، فالمبدع لا يستطيع أن يتخيل ما يجري على الساحة العربية اليوم، وهذا ما يجعله عاجزاً عن ترجمة ما يدور حوله وتحويله لعمل درامي، فكلنا نقف اليوم أمام تساؤلات كثيرة عن المستقبل، متعجبين من حجم الكارثة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية.

وذكر غلوم أن قضايا الأعمال المحلية يغلب عليها الطابع الفُرْجَوي والكوميدي، وقال: أنا مع مناقشة المشكلات الاجتماعية ولكن ليس بطريقة سطحية، فأغلب الأعمال المحلية تناقش قضاياها بطريقة كوميدية، وهذا لن يؤتِ ثماره، إذ يجب تناول هذه القضايا بجدية، ووضع الحلول لها، وطرحها بطريقة واعية لتؤثر بالمتلقي.

وعبر غلوم عن إعجابه بمسلسل «سجن النسا» تمثيلاً ونصاً وإخراجاً، مؤكداً ملامسته للواقع. وتحدث عن مسلسل «حلاوة الروح» فقال: كنت أتوقع ان يكون قريباً من الواقع العربي، لكنه أدخلنا في مناطق درامية أكثر منها واقعية، فغلبت الصورة على ما كنا نبحث عنه فيه، وتشتت المشكلة الحقيقية.

وعن الدراما السورية، أكد غلوم أن مشاركة الفنان السوري في مصر شتت التركيز على قضيته، ولم تخرج الدراما السورية من نمطيتها يمثلها «باب الحارة» بجزئه السادس.

تميز «سجن النسا»

ورغم قلة متابعاتها لدراما رمضان، إلا أن الفنانة هيفاء حسين استطاعت تكوين فكرة عنها، إذ أكدت أن الدراما المحلية تتفاوت في عكسها للواقع، وقالت: بالنظر إلى «حبة رمل» و«بحر الليل» نجد أنهما مسلسلان تراثيان لا يلامسان قضايا اليوم، أما «قبل الأوان» فرغم تركيزه على المشكلات الاجتماعية ومناقشته لما تعانيه أسرٌ كثيرة، إلا أنني لم أرَ فيه فكرة جديدة، ولكنه رغم ذلك يبقى عملاً بعيداً عن الاستعراض الذي تعج به الكثير من المسلسلات الخليجية.

وتتابع هيفاء «سرايا عابدين»، مشيرة إلى أن طبيعته التاريخية تجعله يعكس التاريخ لا الواقع الحالي، إلا أنه عمل متميز فنياً من جميع النواحي. وعبرت عن إعجابها الكبير بـ«سجن النسا» مشيدةً ببساطته وواقعيته وتميزه نصاً وتمثيلاً وإخراجاً، ومؤكدة أنه العمل الأكثر تعبيراً عن الواقع المتعلق بسجون النساء في مصر، لتنوع القضايا التي يعرضها، وظهور الممثلات على طبيعتهن بلا أي رتوش.

«ضبوا الشناتي»

عكست بعض المسلسلات الواقع العربي بكل صدق وشفافية، كمسلسل «ضبوا الشناتي» الذي عبر عن حال المواطن السوري في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد.

ومن خلال قصة عائلة سورية تقرر السفر إلى الخارج بعد تعرضها إلى العديد من الضغوطات في ظل الأوضاع السيئة التي تعيشها البلاد، يروي المسلسل واقع الأزمة الحالية التي تعيشها سوريا بأسلوب الكوميديا السوداء.

والمسلسل بطولة بسام كوسا وأمل عرفة وضحى الدبس وأحمد الأحمد وأيمن رضا، وسيناريو وحوار ممدوح حمادة، وإخراج الليث حجو.

 

العودة إلى التاريخ

أطل التاريخ هذا العام من خلال «سرايا عابدين» و«صديق العمر»، ورغم أنهما لم يعبرا عن واقع المجتمع العربي في الوقت الحالي لطبيعتهما التاريخية، إلا أنهما جذبا نسبة مشاهدة كبيرة، سمحت للجمهور بالتقاط الأخطاء التي وجدت فيهما، وقد امتاز «سرايا عابدين» بضخامة إنتاجه وأحاطه الإبهار من كل جانب، وقوبل «صديق العمر» بانتقادات كثيرة كونه لم يجسد شخصية الراحل جمال عبدالناصر بالصورة المطلوبة.

ويبقى للمسلسلات التاريخية عبقها رغم المطالبة الجماهيرية المستمرة بطرح الواقع والتعبير عن المجتمعات العربية، كون الدراما مرآة المجتمع تعكس همومه وقضاياه.

مسلسلات عربية تحلق في عوالم أخرى أحياناً

«المسلسلات الكويتية في عالم آخر، إذ لم تلامس الواقع ولم تأتِ على ذكره» بهذه العبارة بدأ المنتج سلطان النيادي حديثه، متعجباً من تجاهل الدراما الكويتية ـ تحديداً ـ لقضايا الواقع.

وفيما يتعلق بالدراما المحلية، أكد النيادي أنها تميزت هذا العام، وأن «حبة رمل» و«وديمة وحليمة» و«طماشة 5» ناقشوا الواقع بتفاوت، فـ«حبة رمل» حدوتة جميلة أبدعها جمال سالم، وعكس فيها واقع وجمال الحياة البسيطة. أما «وديمة وحليمة» فظهرت فيه البيئة المحلية بإطار كوميدي عكس واقع الحياة في الثمانينات، و«طماشة» ناقش كعادته قضايا وهموم المواطن.

وعبر النيادي عن استيائه من مسلسل «سرايا عابدين» واصفاً إياه بالنسخة المقلدة الرديئة من «حريم السلطان»، ومؤكداً أنه لا يعكس إلا نفسه ولا يمت للواقع بأي صلة.

وأشار إلى أن دراما هذا العام فشلت في عكس الواقع والتعبير عنه، وقال: تهرَّب صناع الدراما من قضايا الواقع المعاش، باللجوء إلى التاريخ، لأن قضايا الواقع يراها الجميع، وسيتعرض صاحبها للانتقاد والمساءلة لو لم يعكسها بشكل صحيح، وقد استسهل عدد من المنتجين تقديم أعمال من خلال فتح كتب التاريخ واقتباس القصص منها.

تقديم الألم

«رغم أن الواقع السياسي هو البطل، إلا أنني ككاتب لا أستطيع أن أهمل الواقع الاجتماعي أو المدني»، بهذه العبارة بدأ الكاتب والسيناريست محمد حسن أحمد حديثه، مشيراً إلى أن دور الكاتب ليس أن يكون حكواتياً يسرد قصص الواقع، بل تقديم عمل فني بالاستعانة بشخصيات من الواقع، وقال: السياسة والحروب مكانها نشرات الأخبار، وقد ألجأ لها من خلال بعض الشخصيات لأكون قريباً من المُشاهد، إلا أنني لست مستعداً لتقديم الألم من خلال عملي، فهو حولنا في كل مكان.

وأشار محمد حسن إلى أن هناك قضايا اجتماعية كثيرة كالزواج والطلاق والإرث، والكاتب الحقيقي هو من يذهب للإنسان ولا تخدعه أمور الواقع، وتساءل: هل الواقع العربي هو السياسي فقط؟ وقال: أنا ككاتب، لي دور آخر يختلف عن دور المذيع، كما أنني ضد الويلات والحروب والبكاء على حال الواقع العربي.

وذكر السيناريست أنه تابع الدراما المحلية لحبه لها، مشيراً إلى أنها كانت البطل في الخليج، ومشيداً بـ«حبة رمل» و«وديمة وحليمة». وقال: لم أجد عملاً كوميدياً خليجياً ينافس أعمالنا المحلية، فالدراما الخليجية تدور في نفس الإطار.

وأثنى على الممثلين الإماراتيين قائلاً: رغم أن النجوم موجودون في الخليج، إلا أن الإمارات تمتلك أهم الممثلين.

لا واقع

أكد المخرج مأمون البني أن أغلب المسلسلات كانت بعيدة عن الواقع المعاش ولم تعبر عنه، مشيراً إلى أن أعمال كثيرة نجحت فنياً وتقنياً، وفشلت مضموناً وبناءً درامياً. ويتابع البني مسلسل «صديق العمر» لافتاً إلى أنه يمتاز بشفافية عالية، وقال: عكس المسلسل واقعاً تاريخياً بكل سلبياته وإيجابياته، ورغم فقر الإنتاج، إلا أن شفافيته طغت فنجح بامتياز.

ويرى البني أن «حلاوة الروح» من أفضل الأعمال السورية هذا العام، وجاء معبراً عن الواقع، إلا أنه دخل في إطار بوليسي بهدف الإثارة، فحاد عن الطريق قليلاً. وأشاد بـ«قلم حمرة» وبتقنيته العالية ولغته المشهدية الحرفية، إلا أنه يرى بأنه لم يجسد الواقع الحقيقي.

وعبر البني عن استيائه من مسلسل «الأخوة» مؤكداً أنه بعيد كل البعد عن الواقع، وأنه لا علاقة تربطه بجغرافية المكان ولا الزمان. كما ذكر بأن الدراما المصرية كانت الأكثر جاذبية وإبهاراً وإثارة، إلا أنها لم تقترب من الواقع الفعلي للمجتمع العربي.