«الإنترنت يغتال الصحافة الورقية»، كلمات قلائل أدلى بها نيك دايفيس مراسل صحيفة غارديان البريطانية والذي كان قد أماط اللثام عن فضيحة تنصت صحافيي مجموعة نيوز أوف ذي وورلد، التي تعود ملكيتها إلى امبراطور الصحافة العالمية روبرت مردوخ، على شخصيات بارزة.

الا ان تلك الخلاصة أتت في غير محلها، فالشبكة العنكبوتية قد تغير من عادات الصحافيين وتفاقم صعوبات مهنتهم، غير انها لن تجعل الصحافة الورقية تلفظ أنفاسها الأخيرة قريبا، بعد تاريخ طويل وحافل بالمحن والصدمات.

فعند اختراع الطباعة لم يُرحب بذلك، واعتبرها البعض يومها تطورا سلبيا. وكان يعود إلى من يجيدون القراءة والكتابة نشر المعلومات الهامة في رسائل مكتوبة أو منسوخة يدوياً. ولم يستسغ أولئك ان يتولى العاملون بالمطابع، النسخ والطباعة لافتقارهم الدقة.

ومرحلة نهاية القرن العشرين كانت استثنائية في عالم الصحف والتلفزيون. فالأرباح في القطاعين كانت وفيرة ومضمونة، ومصدرها الأبرز كان الإعلانات، ويعتقد بعض الصحافيين أن ذلك الاستقرار والشعور بالأمان المنبثق منه مستدامان. ولكن نظرة سريعة إلى التاريخ تدحض ذلك الحسبان.

فمهنة الصحافة ليست هشة أو خائرة القوى، وفق ما يعتبر نيك دايفيس. فالصحافيون الشباب يدركون أن المبادئ والمثل التي تلتزمها الصحافة وتعمل بهديها لا تنذوي بمرور الوقت. وبالطبع فإن ذلك لا ينفي أن حاجة الصحافة إلى التكيف مع تطورات العصر ماسة وضرورية.

وبدأ أفول الصحف في الغرب عقب الحرب العالمية الثانية، على الرغم من ارتفاع مستوى التعليم. فقبل الحرب وبعدها، نافست الإذاعة الصحف. وفي عام 1943، تنبأ أتش جاي ويلز على محطة بي بي سي أن الصحف اليومية ستموت لا محالة.

وفي الخمسينات، وجدت الصحافة نفسها أمام تحديات جديدة، اثر بروز التلفزيون وذيوعه حين أوكلت الدول مهمات إخبارية وتعليمية إلى الشاشة الصغيرة، فاحتدم التنافس بين الصحف والتلفزيون، والنمو الاقتصادي ساهم في ارتفاع عدد الوسائط الإخبارية المكتوبة والمسموعة، ومالت الجماهير إلى التلفزيون، وفاق الميل هذا إقبالها على الصحف، وفي مطلع الخمسينات في الولايات المتحدة، بدأ التلفزيون ينافس الصحف على مواردها الإعلانية.

وسائط جديدة

وتلكأت كبرى الصحف في إدراك أن الإنترنت يهدد بقاءها. فحين تبصر النور وسائط إعلامية جديدة، يبادر الناس إلى استخدامها في إنجاز ما درجوا عليه. واعتبرت الصحف شأن الجماهير أن الإنترنت هو أداة نشر.

وحسِب الناس أن الأخبار المكتوبة بالصحافة يجب أن تنشر على الخط «أونلاين» قبل أن تطبع على الورق وتقرأ. وحين افتتحت الصحف أولى نسخها الإلكترونية، لم يتخيل أحد أن ترد يوما الأنباء على ألواح إلكترونية وهواتف خليوية.

والكثير من مديري ورؤساء التحرير لم يتحسبوا لمترتبات التغيرات التي تحملها الشبكة الإلكترونية على صحفهم، نظرا لبطء دوران عجلة التغيرات. وكان رؤساء التحرير ينتظرون أن يروا ما الجديد ليتفاعلوا معه.

وفي بعض الدول الأوروبية، بلغت نسبة انتشار الإنترنت عالي السرعة في المنازل نحو 60 % حين أبصرت النور أجهزة آيباد والألواح الإلكترونية، أي أن الإقبال الجماهيري على الوسائط الرقمية من أجل بلوغ المعلومات والأخبار جاء بعد عقد أو عقد ونصف على تشريع الشبكة الإلكترونية على الاستخدام المدني الواسع.

ومنذ التسعينات، غلب على جموعات إعلامية هم إحراز الأرباح. فاستغنت عن خدمات خبراء تحليل الميول والنزعات وتوقع تغيرها، ففاتها استباق موجة التغيرات الإلكترونية الكبيرة.

إقبال قليل

ولا شك أن الإقبال على الأخبار الجدية والموثوقة لم يكن يوماً كبيراً وجماهيرياً. وحظوظ الصحافة الورقية اليوم في استمالة عموم الناس إليها ليست أكبر من حظوظها في الأمس. ولا شك كذلك في أنها ستنجح في العثور على وسائل تمويل التحقيقات والتحليلات الرفيعة المستوى. فالحاجة إلى فهم الحوادث وسياقها كبيرة وراسخة.

فعلى سبيل المثل، ثمة مواقع إلكترونية ترفيهية على غرار بازفيد وفوكس وفايس«مجلة كندية أسست عدداً من مواقع الفيديو ثم أنشأت أخيراً موقع أخبار نوعية» رائجة تموّل الآن صحافة نوعية وتحقيقات تلتزم معايير الدقة والأمانة وتدرج الحادثة في سياق اجتماعي وتاريخي مركب.

وما ساقه إيثن زوكرمن من جامعة ماساشوستس إينستيتيوت أوف تكنولوجي عن تضاؤل إلمام الأميركيين بالشؤون الدولية مع انتشار الإنترنت، غير دقيق. ومنذ فجر الإنسانية، كانت كفة المعلومات السيئة التي تفتقر إلى سند موثوق ترجح على كفة المعلومات الجيدة.

وسكان الدول الكبيرة مثل الصين والهند وروسيا، لا يميلون إلى معرفة شؤون العالم. وغالباً ما تبشر التكنولوجيا الحديثة بآفاق واسعة جديدة وتثير المخاوف في آن. وتلك حال الإنترنت حاليا. ويرى بعض المفكرين أن وسائط الإنترنت الجديدة تفتتح عصرا للتفاهم والتناغم العالمي. وهذا ما سبق أن قيل حين اختراع السكة الحديد والبرقيات والطائرة والراديو والتلفزيون.

ولكن غيرهم من المفكرين يرى أن الإنترنت يقوض الذكاء البشري ويطيح الثقافة. ولا يخفى أن وسيطاً جديداً للتواصل قد يُستخدم شتى الاستخدامات الطالحة منها والخيرة. وعاجلاً أم آجلاً، يدرك مستخدموها أن عليهم التزام الحذر في توسل فرصها.

وشراء مالك أمازون المكتبة الإلكترونية الضخمة صحيفة واشنطن بوست، حادثة تستوقف. فهي شركة تكنولوجيا تخوض غمار التجربة والاستكشاف. وصيت الصحيفة هذه ذائع، لكنها خسرت عائداتها. وثروة جيف بيزوس، مستثمر أمازون، تخول واشنطن بوست الاستغناء عن الأفكار الطالحة والاستثمار في غيرها.

ولا شك في أن الصحافة على الخط هي مصدر عائدات لا يستهان بها. ولكن هل في وسع تلك العائدات تمويل التكاليف الضخمة لغرف التحرير المليئة بالصحافيين المنشغلين بالنسخة الورقية؟ وجواب السؤال هذا غامض. وإدارة شركة تواصل إعلامي صحيفة أمر شائك. فالصحف ترمي إلى الاستقلال والاكتفاء الذاتي. وهي ليست آلات ربح فحسب.

ويقابل تجربة بيزوس تجربة أخرى مهمة، وهي إنشاء مؤسس إيباي، بيار أوميديار الفرنسي - الإيراني، موقع «ذي انترسيبت». وثمة صحافيون يرون أن لا حاجة للصحافة بعد اليوم إلى قيم الأمس ومعارفه ويدعون إلى التخلص من ثقل الماضي. وتجربة أوميديار تصب في هذه الخانة. فموقع «ذي انترسيبت» هو مختبر الصحافة الجديدة والابتكار في انتظار تقويم نتائجه.

مواكبة

والعصر الرقمي يفاقم مشكلة قدرة الصحف على نقل أخبار جديدة، فسيل الأخبار لا ينقطع في الليل أو في النهار طوال أيام الأسبوع، وهو في متناول من يشاء من المرتبطين بالشبكة. والمجلات هي كذلك في سباق المنافسة على استمالة الجماهير. وهي تلجأ إلى عرض المعلومات من زاوية تغفلها الأخبار السريعة.