دخلت «واشنطن بوست» حقبة جديدة من الاستثمار بعد أن ضخ مؤسس «أمازون»، جيف بيزوس في العام الماضي 250 مليون دولار لشراء مؤسسة الصحافة الأميركية بعد امتلاك عائلة غراهام لها نحو ثمانية عقود، وجعلها شركة خاصة، وأزال الضغوط والعقبات أمام تحقيقها أرباحاً ربعية.

ورغم أن الصفقة قد أنجزت قبل ستة أشهر فقط، إلا أن بعض المبادرات التي تجري الآن تُشير إلى نفوذ بيزوس وجهود الصحيفة لبناء صحافة رقمية مستدامة للمستقبل. والخطوة تشتمل على برنامج جديد يعمل على توسيع انتشار الصحيفة داخل الولايات المتحدة وعلى نطاق الساحة الدولية، بمنح المشتركين من الصحف والخدمات الشريكة، إمكانية الوصول المجاني إلى المنتجات الرقمية، غير الموقع المجاني لـلصحيفة «ذي بوست». وبدأت المبادرة في مايو الماضي مع صحف أخرى، ويمكن أن تتسع لتشمل أي شركة تقوم ببيع الاشتراكات، مثل خدمة التوصيل «برايم» من أمازون.

وفي قسم التحرير يعكف رئيس التحرير التنفيذي مارتي بارون على تعيين 36 شخصاً إضافياً للعمل في غرفة التحرير التي يبلغ عدد العاملين فيها نحو 600 موظف. ما يعني توظيف صحافيين ومحررين للبيانات من أجل مبادرة جديدة تركّز على توضيح تأثير السياسة العامة في العالم الحقيقي، إضافة إلى مصممين لمنتجات على الهاتف الجوال لاستحداث نماذج أولية لمشاريع التحرير.

يقول بارون: «الأمر يحتاج إلى بعض الوقت حتى نعتاد تحول الصحيفة إلى الرقمي، لكني أعتاده بسرعة كبيرة. نحن نفكر بشكل واسع جداً في الوضع الذي يمكن أن يكون عليه مستقبلنا، بدلاً من مجرد التفكير في كيف نعيش ضمن حدود مواردنا».

وأخذت سياسة الأرض المحروقة في صناعة الصحافة توفر بشكل مفاجئ مساحة خصبة لإعادة الابتكار. فقد ظهرت سلسلة من المشاريع في الأشهر الأخيرة، كل منها بنماذج مختلفة تسعى إلى إعادة صياغة عمل الأخبار الذي عفا عليه الزمن - في معظمها من دون التكاليف التقليدية لنشر صحيفة مطبوعة. وتتضمن عملية استحواذ بيزوس على «واشنطن بوست»، وإطلاق بيير أوميديار، مؤسس إيباي، لشركة فيرست لوك ميديا مع الصحافي جلين جرينوولد، كذلك انتقال الكاتب المخضرم في صحيفة «نيويورك تايمز»، بيل كيلر، للعمل لدى مشروع مارشال، وهو أحد منافذ الأخبار والتحقيقات غير الربحية، يقوم بتغطية نظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة.

الإعلام يحتضر

وتقول كاترين ويماوث التي قام جدها الأكبر بشراء صحيفة واشنطن بوست عام 1933: «على الرغم من كل ما يقال في الصحافة بأن وسائل الإعلام التقليدية تحتضر، فمن الواضح أن هناك مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين يعتقدون أن هناك شيئاً ما في الأفق».

وقد بدأت موجة من الأموال الجديدة من قطاع التكنولوجيا والمحسنين وأصحاب رأس المال المغامر بشكل بطيء تملأ الفجوات التي خلفها جفاف أموال الإعلان. ويقول كيلر: «لقد كانت النماذج التقليدية متآكلة جداً ومختلّة وظيفياً بحيث تجعل المرء يبحث في أي مكان قدر استطاعته».

وكان كيلر الذي سبق له العمل في «نيويوك تايمز» مراسلاً، ورئيس تحرير تنفيذياً، وكاتب عمود، قد ترك موقعه في الصحيفة ليصبح رئيساً للتحرير في مشروع مارشال. وسيكون لدى الشركة الناشئة نحو 25 صحافياً بدوام كامل وميزانية تشغيل سنوية بقرابة خمسة ملايين دولار. ويقول: «ما يُميّزنا عن بقية عالم وسائل الإعلام هو أننا سنكون شركة غير ربحية عن قصد».

وتم اجتذاب كيلر بعيداً عن «نيويورك تايمز» بعد لقائه مع نيل بارسكي، وهو صحافي سابق ومستثمر شهد تآكل صحافة التحقيقات وأراد المشاركة في إعادة إحيائها. ورأى بارسكي فرصة في إنشاء مشروع صحافة تحقيقات رقمية تغوص عميقاً في نظام المحاكم والسجون الأميركية، حيث توجد المواضيع التي يقول إنه لا يتم الكشف عنها لأن وسائل الأخبار تقوم بتقليص التقارير الإخبارية المتعمقة. ويقول: «مثلما أن كل بلد وأي مجتمع يريد حقاً أن تكون له قيمة، فعليه أن يوجد فيه متحف ودار للأوركسترا، كذلك ينبغي أن يمتلك صحافة مستقلة».

والدمج بين تكنولوجيا النشر الرخيصة وإمكانية استخدام الصحافيين وسائل الإعلام الاجتماعية لبناء علامات تجارية فردية واجتذاب الجماهير فيعمل حالياً على تحفيز الابتكار. ويقول إيريك باتس، رئيس التحرير التنفيذي السابق في «رولينج ستون» الذي يقود فريق التحرير في شركة فيرست لوك: «بإمكانك حقاً أن تعرف أن هناك لحظة، أن هناك شيئاً من روح العصر يحدث. إنها مثل اختراع واكتشاف حساب التفاضل والتكامل في آن معاً. ما نحن على وشك رؤيته هو تجربة صحافية في الوقت الحقيقي، حيث تجد أفراد مجموعة صغيرة من أشخاص مختلفين يفعلون الشيء نفسه، لكن بطرق مختلفة».

تزاوج ومشاركة

وفي شركة «فيرست لوك»، ينوي أوميديار استثمار ما يصل إلى 250 مليون دولار في إنشاء مجموعة الصحافة غير الربحية التي وصفها بأنها «زواج بين شركة تكنولوجيا ونوع جديد من غرف الأخبار». وستقوم المجموعة بإنتاج مجموعة منشورات رقمية متعددة مع إطلاق موقع رائد في وقت لاحق من هذا العام، حيث ستغطي كل شيء من الترفيه والرياضة إلى السياسة والأعمال. وهذا يعتمد على سلسلة من المجلات الرقمية حول موضوعات معينة يقودها صحافي ذو خبرة، وأولها مجلة «إنترسيبت» تحت إشراف جرينوولد. وستقوم شركة فيرست لوك أيضاً ببناء شركة تكنولوجيا منفصلة تماماً. ولاتزال المجموعة تعمل على صياغة طريقة كسبها للمال، قائلة إنها ستعتمد على مصادر إيرادات جديدة وقديمة.

وتقوم غرفة الأخبار باحتضان عمليات اختبار التحول الرقمي. وتعمل صحيفة «البوست» على إطلاق شبكة للمشاركين من أجل التحليل والتعليق، وأنموذجها هو شبكة «هافينجتون بوست». كذلك تطرح سلسلة مدونات جديدة وتستعد لتوسيع عمليات صحيفة البوست الإلكترونية على مدار 24 ساعة في اليوم، لالتقاط المواضيع التي تثير الحوار عبر شبكة الإنترنت. أفق

تقول كاترين ويماوث التي قام جدها الأكبر بشراء صحيفة واشنطن بوست عام 1933: "رغم كل ما يقال عن احتضار الصحافة التقليدية،فهناك من يعتقدون أن هناك شيئاً ما يلوح في الأفق".