بشغف واضح، يعكس مدى حميمية العلاقة التي تربطه بالسينما، جاءت ندوة المخرج السوري نبيل المالح التي قدمها، أول من أمس، في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، تحت عنوان «المعادل الحضاري للصورة السينمائية»، وهو العنوان الذي حمل في معناه العام صيغة فلسفية، كانت قادرة على شحن الجو العام للندوة بالنقاش والتفاعل بين المالح وجمهوره، الذين حلقوا معه في فضاء الفن السابع، وجمالياته وأفلامه التي قال: إنها تختصر مستويات الفنانين، وإنها تقدم لنا حكاية يمكن أن تعبر عن إنسانية السينمائي وأفكاره وتطلعاته، معتبراً أن التصنيف المسبق للسينما وفصلها بين هابطة وجادة فيه ظلم ويلغي المنتج الإنساني المتنوع.
مستويات الفنانين
مجموعة من الأسئلة الخاصة بالإنتاج السينمائي، بدأ بها المالح ندوته التي أدارتها الدكتورة حصة لوتاه، وحضرها معالي محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وصلاح القاسم المستشار الثقافي في هيئة دبي للثقافة والفنون، وعلي عبيد مدير مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام، وياسر القرقاوي مدير الفعاليات في هيئة دبي للثقافة والفنون، ليحاول المالح من خلالها تقديم تعريف واضح لعنوان الندوة، مترجماً إياها بأن «السينما رؤية، وأن كل مكوناتها من صور وسيناريو وموسيقا وغيرها تشكل معادلاً حضارياً يضعنا على خط واحد مع الآخر».
وقال: «إذا كانت السينما هي حكاية، فهي تعبر عن طبيعة البلد الذي تخرج منه، وتعطينا فكرة عن صناع الفيلم وطبيعة توجهاتهم، سواء كانت تجارية بحته أم إنسانية، وهي أمور يمكن تلمسها في مختلف زوايا الفيلم، الذي أعتقد أنه يختصر مستويات الفنانين ويقدمها بصورة واضحة للجمهور، لأن السينما هي «فن قول ما لا يقال»، التي تشكل قاعدة أساسية بين الاختلاف بين سينمائي وآخر».
ويؤكد المالح أن للسينما دور مهم في صقل حياة المجتمع الثقافية، بقوله إن «السينما هي شيء أصيل وإبداعي فيه مستوى ثقافة عالية، وهي التي تضع أي بلد على خريطة الثقافة العالمية».
الحديث عن المستويات الفنية العالية، قاد صاحب فيلم «الفهد» الذي يعتبر أول فيلم روائي طويل تنتجه السينما السورية، إلى الحديث عن الأسباب التي جعلت الدراما تتفوق على السينما في سوريا، محدثاً في الوقت نفسه مقاربة بين السينما السورية والمصرية، حيث اعتادت الأولى تقديم أفلام ذات قيمة فنية عالية، بينما جاء أفلام الثانية متعددة المستويات بين فنية عالية ومتوسطة وتجارية، عازياً السبب إلى أن الفيلم السوري اعتاد تصوير حكايته، خارج أسوار الاستوديوهات، وقال: «التصوير في الأماكن الحقيقية يقدم لنا صورة مختلفة، ويعكس مدى العلاقة التي تربط الممثل بالمكان وبالحكاية، على عكس التصوير في الاستوديوهات التي تعطينا صورة غير حقيقية مهما تطابقت مع الواقع».
وتابع: «السينما المصرية نجحت في تأسيس تاريخ لها، واشتغلت على صناعة النجوم، وهو ما تأخرت فيه سوريا، حيث لم يعرف نجومها إلا في السنوات الأخيرة، وعبر الدراما، فضلاً عن ذلك، فقد نجحت مصر في عملية توزيع الأفلام، التي يتم التعامل معها بشكل سيئ في سوريا»، مدللاً بذلك على فيلمه «الفهد» الذي تمت دبلجته إلى لغات عدة، ولكنه لم يبع في أي بلد عربي، وكذلك الأمر انسحب على فيلم «الكومبارس» الذي عرض في 40 دولة، ولكنه لم يعرض عربياً خارج المهرجانات.
«ميزة الإنسان هي التنوع» بهذا التعبير حاول المالح أن يحدد الخطوط الفاصلة بين السينما الهابطة والجادة، وقال: «بالنسبة لي، أعتبر أن هناك أفلاماً تستخف بالذوق العام، ولكن الجمهور يطلبها لأنها مسلية، وهناك أفلام أخرى يمكنها أن تفتح أعيننا على المشاعر والقضايا التي تهمنا، وهي الأفلام التي أعتقد أنه يجب علينا أن نهتم بها، ولكن في العموم، فالتصنيف المسبق هو عملية جائرة وظالمة، ويسهم في إلغاء المنتج الإنساني المتنوع».
مفارقة
رغم نجاحه في وضع بصمته في السينما السورية، إلا أن المفارقة تكمن في أن السينما لم تكن قرار المالح الأول عندما توجه إلى براغ للدراسة، فقد كانت عيناه آنذاك موجهة إلى تخصص الفيزياء النووية التي تحول عنها في ما بعد للإخراج، الذي مكنه من رفد السينما السورية بـ 120 فيلماً قصيراً تجريبياً ووثائقياً، و12 فيلماً روائياً طويلاً، من بينها «رجال تحت الشمس» المقتبس عن رواية الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني.
