يحتفظ المخرج المصري يسري نصر الله بحضور لافت في السينما المصرية التي تحول إلى أحد أعلامها، بعد تقديمه مجموعة أفلام تصنف على أنها من أيقونات السينما العربية، مثل «سرقات صيفية»، و«باب المدينة»، اللذين اختار لهما فكرة الفصل بين مصر وسوريا، مروراً بفيلم «باب الشمس»، الذي ناقش فيه مسألة الهوية الضائعة، و«جنينة الأسماك»، الذي غاص فيه بسيكولوجية الإنسان وتأثير الخوف على حياته.

ليدخل من بعده عالم المرأة من بوابة «شهرزاد»، ليقدم لنا قبل نحو 3 سنوات فيلمه «بعد الموقعة»، الذي يعد أحد أهم الأفلام التي وثقت ثورة 25 يناير، ليبدو أمام المتابع لسلسلة أفلام نصر الله مدى امتلاكه رؤية فنية مختلفة ومتجددة.

نصر الله المشغول حالياً في التحضير لفيلمه الجديد، الذي يعيده إلى الواجهة بعد فيلمه «بعد الموقعة»، أشار في حواره مع «البيان» إلى أن أزمة السينما المصرية وانحدارها بدأت في سبعينيات القرن الماضي مع بدء موجة الانفتاح الاقتصادي في مصر، وقال إن مهمته وزملائه تكمن في سعيهم إلى تثقيف الجمهور، معبراً عن رفضه لقاعدة «الجمهور عايز كده»، ويرى أن في ذلك ظلماً لمجموعة كبيرة من الأسماء السينمائية اللامعة.

قبل نحو عامين وبعد انقشاع ضبابية ثورة 25 يناير، أطل نصر الله بفيلمه «بعد الموقعة» على سجادة كان السينمائي في دورته الـ65، وهو الفيلم الذي لفت أنظار النقاد آنذاك، والذين قرأوا فيه مدى انغماس نصر الله بمدرسة الواقعية.

حيث قدم من خلاله صورة للناس في «نزلة السمان»، التي سبق أن صور فيها فيلمه الوثائقي «صبيان وبنات»، (1995)، ليبدو أن نصر الله لم يضع أمام ناظريه أثناء تصويره لـ «بعد الموقعة»، مبدأ النجاح والخسارة، بقدر الهدف منه.

حيث قال: «عندما قدمت فيلم «بعد الموقعة» كان هدفي هو الاعتراف من جهة معينة أن هناك خطأ وقع بغض النظر عن طبيعته، وأن هناك من يحاول تزوير التاريخ، لا سيما أن مصر دخلت بمرحلة التحول من الديكتاتورية الشديدة إلى الديمقراطية المفرطة، وهو يعتبر أمراً غير عادي في حياة المجتمع والشعب، وبلا شك أن فيلماً واحداً لا يكفي لعرض تطلعات الشعب وميوله وحالته قبل وبعد إسقاط النظام».

موجات سينمائية

ورغم أن البعض يحيل أزمة السينما المصرية إلى الثورة وما أحدثته من قلب للموازين، إلا أن نصر الله قد أرجعها إلى السبعينيات، وبحسب قوله، فقد بدأت الأزمة مع بداية موجة الانفتاح الاقتصادي بمصر.

وقال: «في تلك الفترة، ثبت أن أي عمل لا يأتي بمردود مادي سريع لا يهتم به، ما أدى إلى انطلاق موجات سينمائية خاصة بهدف جمع المال فقط، وبالطبع هذا الأمر لم يقتصر على السينما وإنما تغلغل بالثقافة في مصر، حيث أصبح هم المثقف والمبدع هو جمع المال لتأمين قوت عائلته».

وكرده فعل على الأزمة أشار نصر الله إلى ضرورة العمل على تقديم أعمالاً جديدة تسعى إلى تثقيف الجمهور، وقال: «هناك أفلام جيدة ومتميزة قدمتها السينما المصرية خلال السنوات الأخيرة ولعل أحدثها «فرش وغطا» و«فيلا 69» و«لا مؤاخذة» ولكن للأسف تعودنا على مهاجمة كل الأفلام الجيدة حتى قبل عرضها رسمياً».

نصر الذي اتهم مرات عدة بأنه مخرج أفلام مهرجانات، لا يؤمن بقاعدة «الجمهور عايز كده»، وقال: «لا أشغل نفسي كثيراً إذا كنت أقدم أعمالاً يفهمها الجمهور أو النقاد أو المهرجانات، وما يشغلني دائماً هو تقديم فكرة أتفاعل معها وأشعر بأن الجمهور يتفاعل معها.

أعمال رائعة

يرى نصر الله في مجموعة الأفلام التي قدمتها السينما المصرية أخيراً، مثل «عشم» و«هرج ومرج»، لنادين خان، أنها أعمال رائعة تعكس حالة مختلفة تماماً يسعى الجيل إلى تقديمها، وقال: «أعتقد أنه حان الوقت لأن ننتزع لنا أماكن خاصة لعرض أفلامنا فيها، حتى نتمكن من مواجهة المد التجاري الجارف الذي تشهده السينما حالياً».