تلاحق رئيس وزراء إيطاليا الأسبق سيلفيو برلسكوني، النكسات المتتالية هذه الأيام، وكعادته في تحويلها إلى مناسبة للانتفاع السياسي، هاجم، أخيراً، حكم محكمة النقض العليا الإيطالية التي أكدت روابطه طويلة الأمد بالمافيا الإيطالية، موجهاً الاتهام ضد اليسار الإيطالي بأنه يطارده منذ عام 1994.
وحول العقوبة الصادرة بحقه على تهربه الضريبي، والقاضية بالخدمة في دار للعجزة في ميلانو، إلى مفاجأة كبرى بتلميحه إلى اعتزامه تقديم مساهمة مالية للمسنين المصابين بمرض الزهايمر، بيد أن دهاء برلسكوني هذه قد لا يجدي نفعاً مع زوجته السابقة فيرونيكا لاريو، التي تطالبه الآن بتسوية مالية قدرها 540 مليون يورو، على أن يجري تسديدها دفعة واحدة.
واستناداً إلى قرار المحكمة الإيطالية العليا، فإن برلسكوني كانت تربطه أعمال مشتركة مع المافيا على مدى عقدين من الزمن، وتحديداً مع المافيا الصقلية، المعروفة باسم «كوزا نوسترا»، وذلك من خلال الوسيط مارتشيلو ديل أوتري، العضو السابق في مجلس الشيوخ الإيطالي المعتقل حالياً في لبنان من قبل الإنتربول، بعد صدور الحكم عليه بالسجن سبع سنوات في إيطاليا.
مصادر غامضة
وبرلسكوني الذي نفى مراراً الشائعات بشأن روابطه بالجريمة المنظمة كمصدر استثماراته الهائلة، هاجم مجدداً القضاة بأسلوبه المعتاد قائلاً: «الأحكام هي ما يحاول اليسار الإيطالي أن يفعله بي منذ عام 1994».
لكن في تقرير لصحيفة «إندبندنت» البريطانية بشأن ملابسات حكم محكمة النقض العليا، فقد تأكد أن ديل أوتري كان الوسيط الرئيسي بين برلسكوني والمافيا الصقلية، وأنه المسؤول عن توظيف الشخصية المعروفة في المافيا، فيتوريو مانغانو، بوظيفة «مسؤول إسطبل»، في فيلا برلسكوني «أركوري»، أثناء قيام هذا الأخير بغسل ملايين الليرات الإيطالية من أموال المافيا، طوعياً أو مجبراً.
لكن على الرغم من كل تلك الأدلة، فإن برلسكوني لن يسجن بسبب روابطه بالمافيا، وذلك لانتهاء المدة القصوى لاتخاذ الإجراءات القانونية على هذه التهمة بعد مرور 20 عاماً، لكنه، في المقابل، يقضي حالياً عقوبة تسعة شهور في دار للمسنين على جريمة تزوير وتهرب ضريبي، وذلك تنفيذاً لحكم يقضي بخدمة المجتمع لم يسبق له مثيل.
يسخر أحد المسنين من هذا الحكم بعد مطاردة دامت أربعة عقود، فيقول: «إذا سرقنا نحن رغيف خبز، يرمون بنا في السجن. وكان هو يفعل ذلك على مدى 40 عاماً، ويحكمون عليه بخدمة المجتمع مرة في الأسبوع».
وكان برلسكوني قد وصل بسيارة ليموزين مضادة للرصاص لقضاء عقوبته وبرفقته مجموعة من رجال الأمن الشخصيين، وذلك في وضع لا يصح لكثير من المتهمين غيره.
وتقول المسؤولة عن خدمات الدار ميتشيل رستيلي، لصحيفة «ريبيبليكان»: «بإمكانه المساعدة في إعداد الوجبات»، أما برلسكوني فلم يدع هذه الفرصة تمر دون استغلالها، فلمح إلى تقديم مساهمة كبيرة لمرضى الزهايمر، قائلاً: «أعتقد أنه في النهاية سأمضي وقتاً أطول مما يفترض بي، ولدي مفاجأة كبيرة أقوم بإعدادها».
قضية خاسرة
بيد أن برلسكوني الذي رافقته الحظوظ في معاركه السابقة، قد يخسر في القضية التي ترفعها ضده زوجته الثانية، وأم ثلاثة من أولاده الخمسة، فيرونيكا لاريو التي تطالبه الآن بمبلغ 540 مليون يورو كتسوية لقضية طلاقهما.
وكان السياسي الإيطالي قد اقترن بها بعد أن أغرم بصورتها على صفحة إحدى المجلات، لكن الزواج بدأ في التداعي عام 2007 عندما كتبت لاريو إلى إحدى الصحف تطالبه بتقديم اعتذار علني لمغازلته ملكة جمال إيطاليا السابقة على التلفزيون، وخرجت كلياً من حياته بعد حضور برلسكوني حفل ميلاد عارضة أزياء تبلغ الثامنة عشرة من العمر، متهمة إياه بـ«مصاحبة القاصرات».
وبعد انفصاله عنها، ادعى برلسكوني أن شعوره بالوحدة وراء إقامته حفلات «البونغا بونغا» التي أدت إلى إدانته بدفع أموال بسبب معاشرة قاصر.
وكان الطرفان قد اتفقا على الطلاق، وقدم برلسكوني 3 ملايين يورو في الشهر كنفقة لها، ثم خفضت إلى مليون و400 ألف يورو. لكن مطالبتها الأخيرة بمبلغ 540 مليون يورو دفعة واحدة أدت إلى انقطاع المباحثات بينهما.
وبعد كل هذه الفضائح، يأمل كثيرون بانسحاب برلسكوني من الحياة العامة، لكن الأمر يبدو مستبعداً حتى الآن.
ملابسات القضية
أفاد حكم محكمة النقض العليا في إيطاليا بشأن علاقة برلسكوني بالمافيا الصقلية، أن مارتشيلو ديل أوتري العضو السابق في مجلس الشيوخ عن حزب برلسكوني «فورزا إيطاليا»، كان الوسيط الرئيسي بين برلسكوني والمافيا الصقلية.
وهذا السياسي المولود في باليرمو قام بتوظيف شخصية معروفة في المافيا، يدعى فيتوريو مانغانو، في فيلا «أركوري» العائدة لبرلسكوني بوظيفة «مسؤول إسطبل». وبرلسكوني نفى علمه بهوية مانغانو الحقيقية، وقال: إنه طرده خلال حملة انتخابات 1994 بعد عملية اختطاف غير ناجحة لأحد ضيوفه، لكن الشرطة وجدت أنه كان لا يزال في وظيفته بعد ثلاثة أسابيع.
وبعدها بخمس سنوات، وأثناء تنصت الشرطة على مكالمات مانغانو المشتبه في تنظيمه شحنات من الهيرويين وغسيل أموال، تم تسجيل مكالمات عدة بينه وبين ديل أوتري.
وكان الهدف من المراقبة الهاتفية ملاحقة نشاط مانغانو في شمال إيطاليا.
