الثامنة والنصف صباحاً، تستعد كلودين لبداية يوم عملها من محطة المترو «باستي» بالدائرة الباريسية الـ11 على الخط رقم 5 الواصل بين محطتي «بلاس دي تالي» و«بوبيني»، دقائق قليلة تسخن فيها حبالها الصوتية التي أتعبها الغناء في الخارج وكثرة الترحال بين عربات القطارات المتتابعة الواحدة تلو الأخرى، لديها بعض الوقت لكي ترتجف، فنجان قهوة خلسة، تتصفح بعض الجرائد المجانية الموضوعة على حافة المحطة، لتبدأ يومها بين أروقة مترو الأنفاق وعربات قطاراته، تداعب مشاعر المسافرين بصوتها وأغانيها مقابل بعض اليوروهات وابتسامات كثيرة.
لمسة حياة
هي واحدة من مغني أنفاق المترو بباريس، يجوبون طوال اليوم بأنفاقها حاملين آلاتهم الموسيقية، وبعض الأغاني التي يحفظونها عن ظهر قلب بالفرنسية والانجليزية، وأحياناً أخرى بالعربية ولغات أجنبية أخرى، محملين بكثير من الجرأة والشجاعة لتخطي عتبة الخجل من نظرة الآخرين وتعليقاتهم المحرجة إذا لم يعجبهم صوت المغني أو كان صوت الموسيقى مرتفعاً.
قصتهم مع مترو الأنفاق الباريسية تعود لعام 1973 عندما خلصت دراسة قامت بها الشركة الوطنية للسكك الحديدية «إس إن سي إف» حول الأجواء العامة التي تسود شبكة خطوطها المتشعبة في ضواحي ودوائر العاصمة باريس، مؤكدة (الدراسة)، على أن هذه الأجواء في هذه الأنفاق التي يرتاد عليها يومياً ملايين الأشخاص، حزينة، مظلمة، عاتمة، ولا حياة فيها. ومن هنا جاءت فكرة إضفاء لمسة حياة تغير منها وتجعلها أكثر انتعاشاً وحيوية وابتهاجاً وتبعث الارتياح والسكينة في نفوس مرتاديها.
غناء تحت الأرض
أول تجربة فنية وموسيقية في محطات مترو الأنفاق كانت عام 1977 من خلال تظاهرة أطلق عليها تسمية «مترو مولتو أليغرو»، حيث شارك أكثر من مئة فنان في عروض غنائية وموسيقية في عشرين محطة باريسية، اختتموا رحلتهم في محطة «أوبير» بالدائرة الباريسية الثامنة أين تجمع نحو 5 آلاف متفرج من المسافرين ليتمتعوا بالعرض الموسيقي المميز الذي فتح الباب لصفحة جديدة أرادتها الشركة الوطنية للسكك الحديدية بين محطات مترو الأنفاق وراكبيها.
مسابقات دورية
بعد التجربة الفنية والموسيقية الأولى الناجحة، قررت الشركة عام 1989 السماح لبعض الموسيقيين والمغنين العزف والغناء في مترو الأنفاق، لكن في أروقة المحطات فقط لأسباب أمنية. عام 1997 ونظراً للطلبات الكثيرة من الفنانين قررت شركة «إس إن سي إف» تنظيم مسابقات دورية مرتين كل عام، الأولى بداية الربيع والثانية بداية الخريف لاختيار مطربين وموسيقيين للعزف والغناء في محطات مترو الأنفاق.
فكل ستة أشهر، يأتي مئات الأشخاص ليجربوا حظهم في الغناء أما لجنة تحكيم أعضاؤها يشتغلون بالشركة، يشترطون طيلة ساعات سماعهم للمترشحين أن يكونوا متميزين، يمتلكون ذوقاً فنياً، متحفزين ونشطين للعمل أمام جمهور متنقل ومتغير في كل مرة، يملكون قدرات صوتية أو موسيقية في العزف تأهلهم للفوز بإحدى الشارات الخاصة التي تسمح لصاحبها بالغناء والعزف في أي مكان من محطات وأروقة المترو.
المسابقة صارت تجلب إليها اليوم آلاف المترشحين من مختلف المدن الفرنسية بعد 17 عاماً من إنشائها، وهم اليوم نحو 300 فنان وموسيقي يحصلون سنوياً على تصريح من الشركة الوطنية للسكك الحديدية للغناء في مترو الأنفاق الباريسي، لتصير بذلك «أكبر منصة غنائية في فرنسا» بناء على الأربعة ملايين مسافر الذين يأخذونها يومياً.
درب الشهرة
كثير هم المطربون والفنانون الفرنسيون الذين بدأوا خطواتهم الأولى من مترو الأنفاق وكانت محطاته وقطاراته بابهم نحو الشهرة والنجومية، لدرجة جعلت البعض منهم يعود للغناء فيه حتى وهو في أعلى أهرامات الشهرة، كالفنان الفرنسي آلان سوشو، المغنية ذات الأصول التونسية لام، داني برويان، بن آربار، وآخرين كثر.
وتبقى أهداف أو طموحات غالبية هؤلاء المغنين المبتدئين الذين يخوضون تجربة الغناء في مترو الأنفاق هي الاحتكاك بالجمهور مباشرة الذي يبقى الحاكم الأول والأخير في نجاح الفنان ورسم مسيرته الفنية، وكذا التعريف والترويج لفرقته الموسيقية، ومع القليل من الحظ الالتقاء بمنتج أو شخصية مهمة وفعالة في المجال الفني يمكنها أن تفتح له الأبواب وتساعده في اقتحام عالم الفن والغناء، ولما لا ربح بعض من المال كذلك. بينما يقول القائمون على هذه المسابقة إن هدفهم الرئيسي هو التعريف بالمواهب الشابة وإعطاؤها الفرصة للمشاركة في مهرجانات ومواعيد موسيقية تكون فيها الشركة الوطنية للسكك الحديدية شريكاً أو منظماً.
صوت المترو
«صوت المترو» أول ألبوم غنائي يولد من رحم مترو الأنفاق، أصحابه كثير منهم لم يقف بعد على خشبة غنائية في مسرح أو قاعة باريسية معروفة، والآخر لم يتقن بعد قوانين الغناء مع فرقة موسيقية محترفة، لكنهم اجتمعوا في أول ألبوم تصدره الشركة الوطنية للسكك الحديدية يولد من رحم مترو الأنفاق بباريس الذي كان طيلة عام ساحتهم الفنية، ومسافروها جمهورهم الخاص.
الألبوم الجديد ضم 12 فناناً وموسيقياً من مغني مترو الأنفاق متوفر على الانترنت لتحميله والتعرف على أصوات من أخذوا من باطن الأرض بابهم نحو الفن تارة ونحو النجومية تارة أخرى.
يشار إلى أن مترو أنفاق باريس هو نظام مواصلات أساسي مستخدم في العاصمة باريس له 16 خطاً و303 محطات أغلبها تحت الأرض ويمتد لمسافة 223.2 كم، وهو يحمل 4.5 ملايين راكب في اليوم.

