«الفن رسالة»، عبارة لا تغيب عن أغلب الحوارات الفنية، فقد اعتاد الفنانون على قولها بمناسبةٍ أو بدون، وحفِظَها الجمهور عن ظهرِ قلب، ولكنها في زمنٍ تغيرت فيه مقاييسُ الفن، وانعدمت فيه الرسائل الهادفة، لم يعد لها وجود، لتتحول مع ذلك إلى شعارٍ مع وقف التنفيذ. جرعات درامية كبيرة تعرضها الفضائيات كل يوم، ما بين خيانات وفضائح ومشاهد تخلو من كل شيء إلا الجرأة، فبين ممثلين بملامح وعادات لا تشبهنا، وألسنة «تدبلج» لغتنا، أصبح الفن قنابل موقوتة في بيوتنا، ومع أبطال الدراما العربية الذين لم يترددوا في الظهور بأدوار «ملتهبة» تغزوها العلاقات الشائكة المريبة من كل جانب، تبرأ الفن من أي رسائل.
«البيان» تواصلت مع عدد من صناع الدراما ليتحدثوا عن رسالة الفن التي فقدت مغزاها في التحقيق التالي.
«الفن فقد رسالته ولم يعد يؤدي دوره»، هذا ما أكده المخرج عارف الطويل، مشيراً إلى أن المسلسلات فقدت رسالتها الاجتماعية والتربوية الهادفة، وأصبحت خارجة عن عاداتنا وتقاليدنا، لتتحول إلى رسائل هدامة بامتياز، ذاكراً أن سبب ذلك يعود إلى انعدام الرقابة تحت شعار «الحرية الفكرية»، وقال: للأسف، هذه الحرية أدت إلى التخريب وليس الإعمار.
ولفت الطويل إلى أن المسلسلات العربية صارت تقلد المكسيكية والتركية مخاطبة الغرائز، وقال: مشكلة الدراما المدبلجة أنها تتحدث العربية، ما يعطي المشاهد العربي انطباعاً بأن هذه العادات مقبولة في مجتمعنا طالما تتحدث لغتنا، والمشكلة الأكبر بالمسلسلات العربية التي انجرفت نحو التقليد الأعمى والجرأة بحجة «الحرية».
وأكد الطويل أنه يرفض إخراج أي سيناريو يتنافى مع مفاهيمه الاجتماعية والأخلاقية، وقال: أراعي أن أول من يتابع مسلسلي هم أفراد عائلتي، وهذا مقياس أساسي أضعه في عين الاعتبار.
مضمون فارغ
وقالت المخرجة السينمائية والتلفزيونية نهلة الفهد: إن عبارة «الفن رسالة» أصبحت فارغة المضمون، وأن المُشاهد اليوم لم يعد يعي ما الذي تعرضه القنوات، وقالت: ما بين التركي والمكسيكي والكوري والعربي الذي سار على النهج نفسه ضاع المتفرج، وهذه كارثة. وذكرت الفهد أن كل محطة تمتلك جهة رقابية، ولكننا كمشاهدين لا نعرف ما معايير الرقابة المتبعة، وقالت: بصراحة هناك قنوات محلية أحار في هويتها وتوجهها وخطتها، ولا أعلم ما الرسالة التي تريد توصيلها.
وعن رسالة الفن قالت: يجب على المعنيين أن يحسنوا استخدام أدوات الفن ليكون رسالة حقيقية وهادفة.
ومن خلال خبرتها في تقديم الأفلام التوعوية، أكدت الفهد أن الفيلم التوعوي لا يأخذ حيزاً على الشاشات كغيره من الأعمال الفنية، وقالت: أنا من مشجعي الأعمال الوطنية التي تعزز الهوية، ودوري وراء الكاميرا التركيز على كل التفاصيل التي تثري عادات وتقاليد مجتمعي، وهذه هي رسالتي من الفن.
تجارة
«رسالة من تحت الماء» هكذا وصف الفنان سعيد سالم الفن، مشيراً إلى أن حبر هذه الرسالة زال، ليصبح خالياً من أي مضمون وهدف، ولافتاً إلى أن الفن تحول اليوم لتجارة، وقال: في دولة الإمارات لا يزال المسرح أبو الفنون بخير، ولكن بالانتقال إلى الدراما نجد أنه ليس هناك استراتيجية صحيحة وخطة مرسومة لها، ففحوى الدراما الكويتية والسورية والمصرية بعيدة عن واقع مجتمعاتنا، وفيها اعتماد كبير على الفضائح والجرائم والمخدرات والخيانات والاغتصاب، وهذه كلها تضع الدراما في مأزق، وتجعلنا نتساءل عن الهدف الحقيقي من ورائها، وماهية رسالتها. وما يزيد الطين بلة أن أغلب هذه الأعمال تعرض في شهر رمضان المبارك.
وألقى سعيد سالم باللوم على المحطات التي تختار هذه النوعية من الأعمال، في حين يتم عرض أكثر من عمل عليها. وذكر أنه يرفض المشاركة في أعمال تتنافى مع الأخلاق أو تروج للسلبيات، مشيراً إلى أنه يميل إلى نوعية الأدوار التي تحتوي على «مزاح وطعن رماح»، لكونها توصل الرسالة إلى مستحقيها وتسعد المتلقي وتقدم له رسالة هادفة.
مسؤولية مشتركة
وذكرت الفنانة هدى الغانم أن الفن رسالة، وعلى الفنان توصيلها بأفضل صورة، مؤكدة أنها ترفض أي دور لا يحمل رسالة هادفة، وقالت: على الفنان أن يرتقي بنفسه وفكره، وليس أن يتراجع، وأن يؤدي رسالته على أكمل وجه لأن الفنان يدخل كل البيوت، وعليه أن يكون على قدر الأمانة والمسؤولية.
ولفتت إلى أن مسؤولية الفن تبدأ من الكاتب وتمر بالمحطات وتنتهي بشركات الإنتاج والممثل، وقالت: الكاتب مسؤول عما يعرضه من أفكار، والممثل أداة لتوصيل الرسالة، والمحطات تختار ما تقدم للجمهور، لتقوم شركات الإنتاج بدعم العمل الدرامي حتى يصل إلى الشاشات.




