ستكون تجربة مشاهدة فيلم الأرجنتيني داميان سيزفرون «حكايات برّية» الذي عُرض في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، تجربة مغايرة بكل المقاييس. الفيلم لا يتعاطى بطريقة معهودة مع الشكل السينمائي العادي، إنه يخلط الأساليب والتوجهات المختلفة في مكانٍ واحد ليخرج بأسلوب هجين، مركّب، ولكنه جذّاب وأخّاذ.
فيلم يضحكك في قمة دمويته، يضعك في قلب التقلبات الحسيّة؛ بغرائبية مطلقة، ومواقف قد لا تخطر على البال بسهولة. إنه يحفّز المخيلة لما هو آتٍ، وفي الغالب غير المتوقع، حيث الدهشة هي الشيفرة السريّة في التعامل مع الأحداث.
قوانين الغاب
7 حكايات مختلفة، ومنفصلة، في فيلمٍ واحد يسخر بشكلٍ حادّ من التصرفات البشريّة التي تخضع لقوانين الغاب عندما تفقد سيطرتها على المنطق، والمشاعر، فتميل إلى تصرفات حيوانية خاسرة؛ فيها الكثير من العدوانية، والانكسارات، بل والغباء.
وهذه بمجملها تدفعك للضحك، والتشكيك بما يحمله الإنسان من مفاجآت قد لا يكتشفها هو في ذاته إلا عندما يُصاب بلوثة ذهنية بسبب موقفٍ ما تعرّض له، سواء أكان محبطاً، أو ظالماً، أو يفتقد للعدالة، عندها تنفجر طاقاته الإبداعية في الانتقام بشراسة ولذّة المنتصر، وفي تشفٍّ خالص ضد الفوضى بفوضى أكبر، ليست عقلانية ولكنها مبرّرة. إنها متعة فقدان السيطرة، هذه اللحظة الدقيقة جداً التي تتهاوى فيها الأخلاق والقيم، والمبادئ، والمنطق.
أن تخرج من نفسك، من جلدك، وتنفصل عنك للحظات، ثم تعود منتشياً بما أنجزت من تفريغ ضد كل ما هو عبثي، وجدلي. قانون مضاد للقوانين البشرية الصارمة. وهو بالضبط ما يسخر منه الفيلم عندما تنزل كادرات الأسماء على صور حيوانات من الغابة: أسود، قرود، حمار وحشي، فيلة..
سيزفرون يراهن على هذه الخلطة من خلال قصص قصيرة كتبها في فترات متباينة، ولكن وجد بينها قاسماً مشتركاً، وينظر إلى المجتمع الغربي وكأنه يعيش في قفص شفاف يقلّل من حساسيته ويحطّم علاقات البشر ببعض، وما الفيلم إلا انعكاس لهذه الشخصيات التي تتعايش في هذا القفص دون الشعور بوجوده.
إنه يحرّر نفسه من الفيلم السردي المباشر باللجوء إلى الحكايات المنفصلة، وسيلة تعبير حرّة لقول الفكرة الواحدة مرّات متكرّرة، وبطرق مختلفة، وشخصيات متلونّة، وأماكن مفتوحة. كأنه في اختبار دائم، ونتائج تصفيّ نفسها من شوائبها لتصل إلى النقاء.
ماذا يحدث مثلاً في إحدى القصص عندما يعد الزوج المهندس زوجته بإحضار كعك عيد ميلاد ابنته على الساعة الخامسة؟ هو يحاول أن يلتزم بالوقت، حيث إن الكل ينتظر وجوده. يمر الزوج بسلسلة من التعقيدات الحياتية؛ بدءاً من سحب سيارته التي ركنها أمام محل الكعك بحجّة أنها واقفة في مكان ممنوع، ولكن لا إشارة مرورية توحي بأنه مخالف.
مروراً باحتجاجه على المخالفة الظالمة، غير أن لرجال الأمن وجهة نظر مختلفة، فعليه أن يدفع أولاً ثم يحتج، وانتهاء برميه بالسجن نتيجة اعتداء على رجل الشرطة. هل فعلياً التزم بموعد الساعة الخامسة.
انتقام عنيف
وفي حكاية أخرى، تكتشف عروسا في حفل زفافها أن زوجها المزعوم على علاقة مع فتاة أخرى، وأنه دعاها إلى الحفل. تنهار تماماً، وتقرّر الانتحار بالقفز من فوق سقف الفندق، غير أنها تقابل طباخاً هناك، ينصحها أن تمضي بحياتها دونه؛ فتستجيب..
هذه الاستجابة تتحوّل إلى انتقام عنيف، فتمارس الحب مع الطباخ، أمام مرأى الزوج، ثم تذهب للعشيقة لترقص معها بعنف يؤدي إلى اصطدامها بمرآة وجروح غائرة، وتستمر في سلسلة من التصرّفات المجنونة ينقلب فيها العرس إلى فوضى عارمة.
في حكاية ثالثة، نرى شخصاً يقود سيارته الفارهة في طريق صحراوية، يحاول تجاوز سيارة قديمة أمامه، غير أنها تعترضه وتحاول منعه. يقرّر الأول أن يعبرها مهما كلّف الأمر، لينجح في المحاولة، لكنه يكيل بالسباب للسائق، وتمضي بسرعة فائقة.
سينمائي شاب
«حكايات برّية» هي المشاركة الأولى للمخرج داميان سيزفرون في مهرجان كان، وفي المسابقة الرسمية، بعد إخراجه 8 أفلام قصيرة وحلقات تلفازية وفيلمين طويلين. هو اكتشاف من غير شك لسينمائي شاب (مواليد 1975)، سيكون له أكثر من زيارة للمهرجان في السنوات المقبلة.

