وجوه فارقتها الابتسامة الطبيعية التي ترافق المرور على السجّادة الحمراء التي يحلم بها جميع المخرجين والسينمائيين في العالم، وعلا الحزن وجه المخرج التركي نوري بيلغي جيلان ورفاقه في رحلة فيلم «سبات» الذي اختاره المدير الفني لمهرجان كان السينمائي الدولي تييري فريمو لمسابقته الرسمية، والفيلم بمنزلة «أوديسيا» حاضر تبحث فيه الكلمة عن كرامتها.

ورصّع المخرج وفريق عمله صدورهم بالشريط الأسود شارةً للحزن لمصرع عشرات من العمال في أحشاء منجم «مانيسّا».

مُصاب الأتراك أليم وعميق بشكل كبير، لذا لم يفقدوا تركيزهم حتى أمام كاميرات المصوّرين ومحطات التلفزيون التي وثقت مرورهم. ولدى دخولهم إلى صالة لوميير الكبرى في قصر المهرجان، استقبلهم تصفيق طويل وعاصف ووقوف، كان احتفاءً بالمخرج وممثّليه، لكنّه كان، بالدرجة الأساس، تحيّة لضحايا المنجم المنكوب.

مشهدية رائعة

مشهد خيالي كما لو أنه تضاريس مدينة مُتخيّلة من عصر وفضاء آخرَين أضاءها بدر مكتمل، ترك عليه ظلالاً متعدّدة الدرجات.

مكان يبدو وكأنه خارج التاريخ، يؤطره مطر الخريف وثلج الشتاء القارس، لا تطير فوقه طائر، وتبقى سكّته الحديدية خالية من عجلات قطار، لا أحد يدري متى سيصل.

كل ما في المنطقة يبدو كأنه ينتمي إلى ماضٍ سحيق، إلاّ القلّة من البشر الذين يجمعهم نوري بيلغي جيلان، ويمرّرهم أمام كاميراته، أو يتسلّل إلى دواخلهم عبر عدساته وبصيرته، فهم أبناء الحاضر الذين دفعت الأقدار بعضهم إلى العيش في هذه البقعة من الأرض، وآخرون اختاروا المجيء إليها، إمّا خياراً، كالزوجين اليابانيين السائحين، أو حاجةً كعائلة الممثل المسرحي آيدن (أدّاه ببراعة حالوك بيلغينير) الذين تركوا إستانبول الصاخبة، ولجأوا إلى هذه البلدة المحفورة في الجبال كهوفاً ومغارات قديمة، عُصرنت وحُوّلت إلى منتجع سياحي، وإلى ملجأ لآيدن الباحث عن إلهام الكتابة.

وفيما يعجز آيدن، برغم الهدوء الكبير الذي يبدو عليه، من العثور على صفاء الذهن، ليبدأ بتأليف كتابه عن تاريخ المسرح التركي، تجد زوجته الشابة نهال (أدّتها ميليسا سويزن) مبرراً لحياتها عبر تشكيل جمعية تسعى إلى تقديم العون الفعلي لسكان تلك المنطقة النائية من تركيا القصيّة، وبالذات عبر مساعدة تلاميذ المدرسة، بالتعاون مع المعلّم الذي يعمل في تلك المدرسة وبعض الأصدقاء الآخرين.

كرامة الفقراء

يخلق نوري بيلغي جيلان في «سبات» عالمين متوازيين ومتعايشين، لكن بوناً شاسعاً يفصل بينهما: عالم الكاتب وصاحب المنتجع آيدن، وعالم إسماعيل المعدم العاطل عن العمل وزوجته وابنه وأمه وشقيقه الواعظ طيب القلب «حمدي» الذي يتمكّن دائماً من الاستعانة بالماء لإطفاء أي اشتعال.

وحين يصطدم سائق آيدن مع إسماعيل بسبب حجارة رماها ابنه «إلياس» على سيارة آيدن وهشّم زجاج بابها الأيسر، يصل الإمام الطيّب ويوقف عراكاً كاد ينتهي إلى مأساة.

وحين تحاول نهال أن تجد سبباً وطريقة لمساعدة تلك العائلة المعدمة، تصطدم بواقع جهلها البرجوازي لمنطق الكرامة لدى الفقراء، وحين تذرف الدموع بعد ذلك، فهي إنما تذرفها ليس بسبب الخسارة المادية التي تتعرّض إليها في لحظة الاكتشاف، بل للصفعة المعنوية التي يوجّهها إسماعيل إلى زهوها البرجوازي. يجعلها إسماعيل بتلك الإيماءة تدرك أن الفقر لا يعني فقدان الكرامة دائماً.

وجهات نظر

غير أنّ نوري بيلغي جيلان لم يعرض هذا الاصطفاف الاجتماعي والطبقي بوجهة نظر آيديولوجية، ولم يُطالب المشاهد أو يدفعه صوب الانتصار لهذا الطرف ضد الآخر، بل عرض حالاتٍ لبشر تتقاطع مصائرهم في لحظة ما، ووحدها المصادفة والبصيرة الرائية، وليس مجرّد البصر الناظر، ما خلق الآصرة في ما بينهم، أو إعادة بعثها ما بعد «سبات».

مفردتان جوهريتان أسّس عليهما نوري بيلغي جيلان شريطه الجديد (بثلاث ساعات و 16 دقيقة)، وهما: الكلمة والنار، فالأولى، أي الكلمة، حاضرة، وهي الخيط الرابط بين مكوّنات الفيلم وشخصياته، والفيلم عبارة عن حوار متواصل ما بين الشخصيات، وقد بنى المخرج مشاهده دون أي ارتباك أو خوف من طول حواراتها وتفصيليّتها.

 أما المُعطى الثاني، وهو: النار والموقد المِضرمة بالخشب، كما في الماضي، وهي، أي النار، إطار للربط بين البشر الذين يتحلّقون حوله، أينما كانوا، سواء داخل البيوت أو في محطة القطار الذي لن يصل. وبرغم معاصرة الأحداث التي يرويها الفيلم، فلا وجود للتلفزيون، إلاّ في مشهد واحد فحسب، وهو المشهد ما بعد خصام آيدن مع شقيقته، وتعرض شاشة التلفزيون مشهداً من فيلم كارتون.

 

اكتشاف الجمال

 

فيلم «سبات» عمل مركّب ومعقّد التكوين لا تكتشف جماله وكنهه إلاّ في النهاية، وقد يقهرك طوله واتساع مساحة الحوارات فيه، لكنه يُشبه امرأة جميلة تبدأ بخلغ قطع ثيابها بيديك ببطء وقطعة بعد أخرى، وكلما رميت قطعة اقتربت من جمالها الأخاذ، حتى تجد نفسك في خاتمة المطاف بحدقتين مفتوحتين على اتّساع لدهشة اكتشاف الجمال.