تجمع الأوساط الثقافية والإعلامية العراقية، على أن تطور وسائل الإعلام الحديثة، وانتشار مصادر الثقافة العربية والعالمية الإلكترونية عبر الانترنت ، شكلا منافسة قوية قد تؤدي لانحسار الإعلام الورقي وسيادة وهيمنة الصحافة الإلكترونية .

وتوقعت أن تشهد الفترة المقبلة تقلص أو حتى انقراض مؤسسات الطباعة والنشر التي تعنى بنشر الدراسات والنصوص الأدبية والمتابعات النقدية على الشبكة العنكبوتية، ما يثير أسئلة مشروعة مفادها: هل تهيمن الثورة الرقمية والمعلوماتية على واقع الثقافة الورقية، أم تظل نسبة من المتلقين متمسكة بالتقاليد التي تجعل من الكتاب المصدر الوحيد لإثراء الثقافة ومنتجها "الأديب والكاتب"؟.

وقال الشاعر والناقد علي سعدون للوكالة الوطنية إن التطور الهائل للتكنولوجيا له انعكاسات مهمة وفاعلة على المثقف العربي، وتحديدا منتج الثقافة الذي لم يكن يعاني تخلف الأدوات الطباعية، وآليات استخدامها فحسب، وإنما.. وهذا هو الأهم، قدرة المؤسسة الثقافية أو الإعلامية على تحجيم دور الأفراد المنتجين لتلك الثقافة ، بسبب استحواذها على تلك الآليات، التي يقف أمامها الكاتب عاجزا تماما في تقديم رؤيته مطبوعة

ويكتسب التطور التكنولوجي وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية أهمية كبيرة لإتاحتها فرصا للنشر للكثيرين .

ويشير إلى قضية ذات بعد آخر ساهمت فيها الصحافة الالكترونية بشكل واسع وكبير، وهي تغير الخارطة الإبداعية، وتحول مسارها القديم، إذ كانت بغداد مركزا يكتسب الصفة المعنوية والثقل الثقافي، وبدونه لا يمكن أن ينجز المثقف شيئا ذا قيمة،وتغير الوضع كثيرا لسهولة إيصال المادة ونشرها وظهورها ،وصولا إلى شيوعها دون الحاجة إلى مركز ثقل ثقافي أو إعلامي، والقضية لم تعد قضية مؤسسة، ولا هامش ومركز، اذ تتحكم المادة ذاتها بوجودها المركزي وثقلها النوعي، وليس العكس.

ويظل الاهتمام بالكتاب الورقي واقتنائه،اهتمام تاريخي ، وأسلوب تفاعل من نوع خاص يخلق نوعا من الحميمية بين القارئ ومنتج المادة، ولن تتمكن التكنولوجيا مهما بلغت درجة السهولة والاتساع من القضاء على الكتاب الورقي بسبب التقاليد الثقافية الراسخة للمتلقي الثقافي.

هيكلة فكرية

ويرى الشاعر والإعلامي هاشم لعيبي أن ثورة التقنية والاتصالات فتحت الكون على عملية إعادة هيكلة التعاطي مع آليات المرحلة الماضية، مستبدلةً كل ما هو تقليدي وثابت بآخر نسبي متحول متحرك جعل من القديم عاجزاً عن مجاراة الجديد وملاحقة خطواته". ولم تكن منظومة الثقافة والإعلام بعيدة عن تلك التأثيرات، فلطالما مثّل الكتاب حجر الزاوية في الثقافة مع ما يرتبط به من المطبوعات والإصدارات ،فيما مثلت الصحف الورقية نقطة الارتكاز الإعلامية الأكثر رسوخاً، فعمدت المنظومة الجديدة إلى توجيه ضربات في المقتل جعلت الإدارة الورقية أمام تحديات لا طاقة لها بها، فسرعة تدفق الأخبار وسهولة انتشارها وإمكانية الاطلاع المباشر على المعطيات والمستجدات وسهولة تبادل الأفكار والآراء عن بعد ،جعلت المواجهة غير متكافئة في عالم يتسم بالسرعة والتحول والانتقال.

وامتدت المشكلة إلى بعض المنظومات المحسوبة على الجديد، ففي الجانب الإعلامي تقف الفضائيات على خط الأزمة في عدم إمكانية اللحاق بوكالات الأنباء وآلياتها الخارقة السرعة في نقل المعلومة، والكثير من الفضائيات أوجدت اذرعا إعلامية تابعة لها.

ويشير ذلك إلى تبدل المعايير في المنظومة الإعلامية، وبالتالي فإن ما حققته الثورة الرقمية على مستوى الأدب يجعلنا أيضا أمام آليات جديدة للتسويق بدأت بعض ملامحها تتضح من خلال ما تطرحه وسائل التواصل الاجتماعي والدوائر التلفزيونية المغلقة والغرف الصوتية والإمكانات المفتوحة في انتشار بصورة مذهلة ولإعداد كبيرة جداً من المتلقين، في وقت يقف الكتاب الورقي عاجزاً عن مواجهتها فأصبح وكأنه يستعيد آليات الوقوف على الإطلال في القصيدة العربية الكلاسيكية.

فوضى وترهل

يقول القاص عبد الأمير المجر: لاشك أن تطور وسائل الإعلام الحديثة، أثر بشكل كبير في المشهد الثقافي والإعلامي العالمي بشكل عام، واسهم في خلق قنوات اتصال متعددة، جعلت التواصل على مستوى الثقافة بين المثقفين والمبدعين أسهل بكثير عما كان عليه سابقاً.