هي من المرات الاستثنائية، التي التقى فيها المثقفون والجمهور عموماً في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، من خلال محاضرة ناقشت مسيرة فنان عربي، والوعي الموسيقي في الخليج، دون التركيز ملياً بالحديث عن هموم الموسيقى العربية وتحدياتها وغربتها، وابتعاد أغلب رواد جمالياتها عن مفهوم السوق، ومنهم الموسيقار البحريني خالد الشيخ، الذي عزف مسيرته بين خطوط مسافات النوتة الموسيقية بين عامي 1974 و 1983، أول من أمس، عبر فضاء اللقاء الجدلي، على إيقاعات "السُلم الموسيقي"، كما هو معروف، و"السلم العجمي" كما يهوى العرب تسميته، بحسب تعبير الشيخ، منطلقاً بـ"دو" إلى دخول عالم الموسيقى، و (ري) إلى ربيع التقدم النغمي، و "مي" التي كشفت شخصيته الفنية، أما "فا" فقد اختزلت "الفتوة" و "الفرعونية" والتحول إلى دراسة الموسيقى، مروراً بـ "صول" ومفاجأة صيت الكاسيت الأول، و "لا" نفي الموسيقى والرغبة بالاعتزال، وأخيراً بـ الوقوف عند "سي" القاتلة المحبطة، قائلاً: "أما الانتقال إلى ما بعد "دو" السابعة، والبدء من جديد، تحقق اليوم، في لحظة تقديرية، قدمتها لي الإمارات، وإمارة الشارقة بشكل خاص، عبر مشاركتي في أوبريت الاحتفال بالشارقة عاصمة الثقافة الإسلامية 2014".

بيئة المبدعين

"الإنصات" التعبير الأدق، عن حالة المستمعين لمحاضرة الفنان، كما أكدت الدكتورة رفيعة غباش، رئيسة متحف المرأة في دبي، وهي تشخص انتقالات الشيخ عبر مسيرته الفنية، اعتماداً على تخصصها في الدراسات النفسية، بينما ارتحلت أسئلة الجمهور، التي أدارها الدكتور سليمان الجاسم، المدير السابق لجامعة زايد، في التفكير ملياً بالرابط الروحي، لفكر الشيخ بالموسيقى، ومسؤولية الكتابة والتوثيق المعرفي للأجيال المقبلة، محققاً ما أثاره الشيخ من الرجوع إلى العزف والتلحين ومتابعة القراءات الموسيقية بعد عزوف تام، في تجديد البحث عن منهجية بيئة المبدعين، مجتمعياً ومؤسسياً، وذلك لما لفت إليه من معيار "التقدير" ودوره في دفع الشيخ للعودة مجدداً للعمل الفني، بعد صراع ومنافسة شرسة، لوضع السوق التي أصبحت كما وصفها الشيخ تتوسل) الجمهور، للاستماع إليها، متخذاً من المشاركة في أوبريت الاحتفال بالشارقة عاصمة الثقافة الإسلامية، نموذجاً لمعيار المكانة والإمكانات.

حياه موسيقية

بصمت وهدوء الفنان قبل البدء بوصلته الغنائية، تجلى الشيخ في جعل الموسيقى فكراً ونسقاً اجتماعياً، وصف به تلك البذرة التي انقشعت من تربة البيئة الدينية، وسط أسرته، متخذاً من خصائص النغمات على السلم الموسيقي، إسقاطات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، ممثلاً ذلك بإمكانية دراسة المجتمع المصري عبر مسيرة الراحلة "أم كلثوم"، أو ما وصفه بشهرة بعض الفنانين، نتاج منظومة مؤسسية، بالدرجة الأولى، كالذي فعله الرحابنة مع حضور فيروز العربي.

وفي أوج التباحث عن موسيقى العرب، يوضح الشيخ خصوصية ودندنة البداية، وعشوائية الألحان، نتاج حضور المذياع في ذلك الوقت، وتجسيد النغمات في سلم حياته الموسيقية في الـ "دو" التي جذبت إليه كل شيء عن الموسيقى، وانتقل بها إلى نغمة الـ "ري"، التي مثلت التقدم واندفاع الشباب، رغم تخبطه عند الوصول إلى مرحلة نغمة الـ"مي" بعد مواجهة الأهل والمجتمع، وتكشف الشخصية الفنية.

بين ترك دراسة العلوم السياسية والاقتصادية في جامعة الكويت، والارتحال إلى القاهرة، ودراسة التأليف الموسيقي، يؤكد الشيخ أن نشاطه الموسيقي عبر حفلات طلبة البحرين بالكويت، تشكل من الأخير جمهوره الأول، قائلاً: "أتذكر ذهاب مجموعة من الطلبة الكويتيين، للتبرع في بنك الدم، مقابل 10 دنانير، استطاع بعدها مجموعة منهم شراء العود، وتقديمه هدية لي".

واكتسب الشيخ بعدها بحسب تعبيره شهرة كبيرة، نتاج ما قدمه من أغنيات أسماها بـ "السياسية"، تزامناً مع الوضع السياسي العربي، آنذاك. وظل الشيخ طوال الندوة يقرأ نغمة الـ "لا" في السلم الموسيقي من حياته، التي شهد بينها وبين مرحلة الـ"صول" السابقة، قمة التمكين والانتشاء في حضوره الموسيقي، من سلطة وسطوة وأموال، وأضواء.

 

«اشطّب»

بعد انتهاء الموسيقار البحريني خالد الشيخ لمراحل حياته الموسيقية ودوافعها عبر النغمة الأخيرة "سي"، قال: "كنت أفكر دائماً، هل سيأتي يوم، وأخبر فيه موسيقى العرب أنني "أشطّب" وأخرج من الإيقاع"، ليظل سؤال الشيخ مسؤولية فنية، يتحمل إجابتها المجتمع بأضلعه المعنية بالوعي الفني والثقافي.