لم يكن ختاماً عادياً ذلك الذي اختاره مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية ليسدل به ستائره، فبعد ثلاث أمسيات تألق فيها نصير شمة بعوده، وفرات قدوري بقانونه، وجاهدة وهبة بصوتها المخملي، تألقت الفنانة مكادي نحاس بصوتها الفيروزي الذي تجاوز حدود السماء فصافح القمر، واستغنى للحظات عن الآلات الموسيقية فعزف برقته على الوتر، واخترق شغاف القلوب فأبهج جميع من حضر، وتألقت منفردة بغنائها فانهمر إحساسها كالمطر.
الأمسية التي حضرتها الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيس هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير "شروق" ، إلى جانب العديد من الشخصيات الفنية والإعلامية، وجمهور غفير غصت به قاعة المسرح، كانت مختلفة، حيث تربع على عرشها التراث العربي، وأطلت فيروز في بعض جوانبها، فامتزج صوت مكادي نحاس مع إبداع "مجموعة الجاز الشرقي"، وحاكى الناي والبيانو و"الدرامز" و"البيس"، في توليفة خلقت حالة روحانية من نوع خاص.
الفن الملتزم
جمهور متنوع طغى عليه الحضور العراقي والأردني والسوري من عشاق الفن الملتزم والكلمة الراقية، ومطالبات مستمرة بأغنيات حاولت مكادي تقديمها قدر الإمكان، من خلال تفاعل جميل وعفوي بين الفنانة خفيفة الظل والجمهور، ما منح الأمسية روحاً بحلاوة السكر.
وفي بداية الحفل، عبرت مكادي عن سعادتها بوجودها في أحضان مدينة الشارقة، التي تمتاز بهدوئها وسحرها الخاص، ما يمنحها المجال للتأمل والتفكير، وأكدت أن مشاركتها في مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية في دورته الأولى فرصة مميزة، فمن خلالها التقت بالجمهور المتنوع في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتواصل مع محبيها ومحبي اللون الذي اختارته وتحترم من خلاله فنها وجمهورها.
أرشيف تراثي
أغنيات كثيرة عادت من خلالها مكادي إلى أرشيف الأغنية التراثية الشرقية، ونوعت في اختياراتها بين التراث الأردني والعراقي والسوري والفلسطيني، وافتتحت حفلها بـ"نتالي" التي كتب كلماتها الفنان السوري حسام تحسين بيك، إهداءً لزوجته نتالي، وغنت بعدها الأغنية الفلسطينية "يمة وين الهوى" و العراقية "هذا الحلو قاتلني يا عمه" و"صغيرة كنت وإنت صغيرون"، والأردنية "هيا على هيا"، وبعد أن أغرقت الفنانة جمهورها بقصص الحب الجميلة، انتشلته لتغرقه في قصص النضال العربي ضد الاستعمار، فغنت "يا ظلام السجن خيّم" التي كتب كلماتها الشاعر السوري نجيب الريس، وأصبحت من أكثر الأغنيات الوطنية شيوعاً في العديد من دول المشرق العربي.
وحضرت فيروز بإحساسها العالي وأغنياتها التي يحفظها الجمهور عن ظهر قلب، فغنت لها مكادي " أنا لحبيبي" و"أهواك بلا أمل"، و"سهر الليالي"، لتختتم حفلها بالأغنية الفلسطينية "عمي يا أبو الفانوس".
شارك مكادي نحاس العزف مجموعة الجاز الشرقي، إذ تألق عازف الناي ليث سليمان بعزفه الجميل، كما كشف عازف الدرامز فؤاد عفرا عن قدرات مميزة في التفاعل مع آلاته، وأبدع عازف غيتار البيس بشار فران في تقديم أفضل ما لديه، وبرع عازف البيانو نضال أبو سمرا في التنقل بأنامله ليخلق أنغاماً رائعة.
باليه وفلامينغو
كما شهدت المسارح الخارجية عروضاً مميزة لعازف غيتار الفلامينغو اللاتيني فيسنتي أليندي، الذي قدم مقطوعات موسيقية متميزة نالت إعجاب الحاضرين، وتألق مركز فرات قدوري بعرض خاص للباليه على أنغام الموسيقى، والتف حوله الجمهور من الكبار والصغار في مشهد جميل.
وبهذه الأمسية، تكون القصباء قد اختتمت بالتعاون مع مركز فرات قدوري للموسيقى، مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية، بأربعة أيام من العروض الموسيقية التي قدمها نخبة من الموسيقيين العرب والأجانب، وأنواع مختلفة من الموسيقى تنوعت ما بين البوب والكلاسيكي المعاصر واللاتيني والجاز الغجري الفرنسي والفلامينغو وغيره.
«نوتات الآي باد»
في مشهد جديد ومختلف، لفت عازف البيانو نضال أبو سمرا الأنظار، لاستخدامه "الآي باد" في الحفل، إذ يحتفظ بأرشيف موسيقي كامل للحفلات التي عزف فيها في وقت سابق. "البيان" التقته للتعرف على أرشيفه الإلكتروني، وعنه قال: أمتلك برنامجاً خاصاً أستطيع من خلاله الاحتفاظ بجميع "النوتات" الموسيقية لكل حفل، وبهذا يكون لدي أرشيفاً موسيقياً، أستخدمه في أي حفل، إذ أتمكن من العودة لنوتات الأغنية وعزفها بكل سهولة، إلى جانب بعض الارتجال في مواقع معينة، وقد بدأت العمل على هذا الأرشيف منذ خمس سنوات، ولدي الآن موسوعة موسيقية ضخمة.
