لم يكن كتاب وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس الكتاب الأول الذي يصدر عن مسؤول سابق في البيت الأبيض، فقد سبقته كتب لكل من وزير الدفاع الأسبق رونالد رامسفيلد ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وحتى للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، وغيرهم كثر.
لكن يبدو أن هذا الكتاب الذي صدر حديثاً تحت عنوان "الواجب: مذكرات وزير في زمن الحرب" قد فجر زلزالاً في واشنطن، وأثار المشكلات للبيت الأبيض، ويتساءل المراقبون عما إذا كان تجاوز الحدود أو الأطر القانونية المقبولة من قبل وزير دفاع سابق ينتقد رئيس أميركي عمل تحت قيادته وما زال في منصبه، وما إذا كان ذلك سبباً لتحطيمه الأرقام القياسية في المبيعات بالمقارنة مع الكتب التي سبقته.
يرى موقع سوامبلاند، في تقرير عن الكتاب نشره أخيراً، تحت عنوان "كتاب غيتس: خيانة البيت الأبيض أم ذروة الديمقراطية؟" أن لغيتس كامل الحق في أن يكتب ما يشاء، لكنه ربما كان يفترض به الانتظار حتى تنتهي ولاية الرئيس الأميركي.
تسريبات
ومذكرات غيتس، خلال توليه إدارة البنتاغون والتي تعبر بصراحة عما شعر به لجهة عدم احترام إدارة أوباما للجيش الأميركي، سربت معظم محتوياتها إلى وسائل الإعلام مسبقاً، بعد شراء "صحيفة وول ستريت جورنال" حق نشر مقتطفات منها.
وقد أحدث الكتاب صدمة لدى مسؤولي الأمن القومي الأميركي، حيث أظهر أوباما منفصلاً كلياً عن الأحداث، ومساعديه في البيت الأبيض جماعة متعطشة للسلطة، ونائبه حذر من أصحاب الزي العسكري.
وهذا طرح تساؤلاً عما إذا كان كتاب كهذا غير مصرح به قانونياً بالنسبة لشخص تقلد منصباً عالياً في سلسلة القيادة، لا سيما وان أميركا في حالة حرب.
يقول الموقع نفسه إن غيتس حر في قول كل شيء، بافتراض حذف أي معلومات سرية، وهو إذا قام بذلك، فإنه بذلك يكون قد نجح في سرد كل شيء مع تجاوز العثرات الأخلاقية.
ذوق سليم
ويؤكد المحاضر في القانون العسكري في جامعة يال والرئيس السابق للمؤسسة الوطنية للقضاء العسكري، ايويجين فيدل: "القضية هي قضية ذوق سياسي سليم. وروبرت غيتس كمدني لا يخضع للقانون الموحد للقضاء العسكري، الذي يمنع الجنود من ازدراء الرئيس الأميركي"، مضيفاً: "لكنني اعتقد انه كان بإمكانه أن ينتظر فترة أطول قبل قيامه بنشر الكتاب".
وفي انفصال عما هو معهود في واشنطن، حيث نادراً ما يوجه وزراء سابقون أحكاماً صارمة ضد رئيس ما زال في منصبه، وجه غيتس انتقادات لأسلوب قيادة الرئيس أوباما والتزاماته حيال حرب أفغانستان، متهماً إياه بفقدان الثقة في استراتيجيته الخاصة، وإرسال جنود إلى أفغانستان على الرغم من اعتقاده مسبقاً بفشل مهمتهم.
وكشف غيتس أن كلاً من أوباما وهيلاري عارضا خطة بوش لإضافة المزيد من الجنود في العراق، لأغراض سياسية تخدم مصالحهما وليس المصالح الأميركية. وقال عن جو بايدن إنه كان على "خطأ تقريباً في كل قضية مهمة تخص السياسة الخارجية والأمن القومي"، واتهمه بـ "تسميم البئر" للقيادة العسكرية.
حذر مستقبلي
ويعتقد البعض أن نشر الكتاب سيشكل تحذيراً لرؤساء مقبلين بشأن الحكمة من مد اليد لمعارضين سياسيين لعقد تسويات، وهذا ما فعله أوباما عندما طلب من غيتس وهو جمهوري اختاره بوش لإدارة البنتاغون في عام 2006 أن يبقى في وظيفته في الإدارة الجديدة لمدة سنتين. وقد يجعل الرؤساء أكثر حذراً في تعاملهم مع الوزراء أو مسؤولي الحكومة.
ينقل الموقع عن أحد الضباط المتقاعدين تمنياته لو أن غيتس عبر عن بعض تلك المشاعر عندما كان لا يزال في وزارة الدفاع.
ويقول أنتوني زيني الجنرال المتقاعد الذي خدم كمسؤول القيادة الوسطى الأميركية: "على المستوى الشخصي، كنت أتمنى لو أظهر تلك الآراء فيما كان لا يزال في وظيفته، إذا كان البيت الأبيض مفرطاً في السيطرة، ماذا فعل حيال هذا الأمر، سوى أنه كان يشكو عابساً بعد أن يحدث الأمر؟".
مقتطفات مثيرة
يكتب وزير الدفاع السابق روبرت غيتس في كتابه عن حرب أفغانستان : "الرئيس الأميركي باراك أوباما لا يثق بقادته، ولا يحتمل الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، ولا يؤمن في استراتيجيته، ولا يعتبر الحرب حربه، بالنسبة له كان الأمر برمته يدور حول كيفية الخروج"، لكنه يضيف إنه لم يشكك يوماً بدعم أوباما للجنود وإنما "بدعمه للمهمة"، واصفاً إياه "برجل النزاهة الشخصية".
أما بالنسبة لموقفه من وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، فقد وصفها بأنها "ذكية لكنها عملية وصعبة المراس، ومضحكة وزميلة يتكل عليها وممثلة رائعة للولايات المتحدة في العالم".
إلا أنه يذكر حديثاً دار أمامه حيث قالت "هيلاري للرئيس إن معارضتها لزيادة القوات في العراق عام 2007 كانت سياسية لأنها كانت في مواجهة معه في انتخابات أيوا التمهيدية"، و"أقر أوباما بشكل غامض أن معارضته كانت أيضاً سياسية".

