لم تكن ليلة أول من أمس عادية في أروقة قناة القصباء، فقد شهدت تدفقاً جماهيرياً ملحوظاً لمتابعة أولى أمسيات مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية، الذي انطلق بمجموعة عروض موسيقية جميلة، هيمن عليها حفل الموسيقى العراقي نصير شمة، يرافقه عازف السيتار المعروف الباكستاني أشرف شريف خان، بالإضافة إلى فرقة شمة والتي جاء معظم أعضائها من مصر، والذين قدموا معاً ايقاعات دافئة معطرة بحب الموسيقى، تمكن خلالها شمة بعوده من مغازلة شغف جمهوره الذي لم يترك مقعداً واحداً شاغراً في قاعة مسرح القصباء الذي استضاف الحفل، ليملأها بتنوع ثقافاته واختلاف جنسياته، ليحملهم شمه على ظهر عوده في رحلة موسيقية جميلة لبى فيها شغفهم وعبر عن حنينهم لأوطانهم وزمان عربي قديم، مقدماً لهم تحفته التي حملت اسم "الاتحاد" وهي القطعة التي كتبها شمة في حب الإمارات.
من الذاكرة
بمقطوعته المعنونة باسم "من الذاكرة" افتتح شمة وأعضاء فرقته الحفل، ليعبر فيها عن مدى حبه للموسيقى وما تمنحه من دفء المشاعر، ليبارك من خلالها للشارقة في مهرجانها الموسيقى الأول، الذي اعتقد أنه سيحقق ذائقة موسيقية من نوع آخر، ليأخذ شمة من بعدها بجمهوره إلى فضاء الروح بمقطوعة "رحلة الأرواح" التي استوحى ايقاعاتها من كتاب ميشيل نيوتن الذي يعد أحد أهم الأطباء النفسيين في العالم، ففي هذه المقطوعة التي أطل فيها ايضاً عازف السيتار أشرف شريف خان على الجمهور، حاول شمة رسم لوحة موسيقية تمثل روح الكتاب، لينقل مع جمهوره من بعدها نحو قرطبة، في مقطوعة أخرى حملت عنوان "الحنين إلى قرطبة"، وهي إحدى المقطوعات التي يضمها ألبومه وشريف خان وإصدراه من إسبانيا، ليبدو السيتار مهيمناً على بدايتها، ويعانق في منتصفها أوتار العود في ايقاع بدا حنوناً معبراً عما يعتمر قلبي شمه وخان من حنين إلى زمن قرطبة.
تحية للشهداء
من الشارقة أرسل شمة تحياته إلى موطنه بغداد في "طاب صباحك بغداد" التي ألفها على ايقاع مقام عراقي أصيل، بدت البطولة فيه للعود الذي صمتت معه بقية الآلات، لنتجول معه بين حارات بغداد القديمة وشوارعها وبيوتها، وما كاد جمهور شمه يخرج من بغداد، حتى انتقل إلى مقام النهاوند في مقطوعة "زمان النهاوند" ليعود إلى زمان طريق الحرير عندما كان الشرق مصدر إلهام وعلما وثقافة وجمالا. وكما حضرت بغداد حضرت فلسطين وسوريا اللتان أهداهما شمة ورفاقه قطعتين رائعتين مقتبستين من فلكورهما الشعبي، ليؤبن من بعدها في مقطوعة "بياض" شهداء الربيع العربي، بالغاً نشوته الموسيقية في مقطوعة "إشراقه" مانحاً فيها لكل فرد من فرقته فرصته ليبلغ النشوة الموسيقية، ويتمتع الجمهور بأجمل الألحان.
عروض أخرى
حفل شمة أول من أمس لم يكن يتيماً في مهرجان الشارقة، فقد سبقه مجموعة عروض موسيقية أقيمت في الهواء الطلق، توزعت معها الفرق الموسيقية على طرفي القناة بطريقة تشبه إلى حد كبير ما تقدمه فرق الشوارع الموسيقية التي اعتادت على أخذ مكانها في شوارع عواصم العالم الرئيسية، فمن عروض قدمها هواة الموسيقى المتدربين في مركز فرات قدوري للموسيقى اعتمدت الإيقاع والأغنية العربية أساساً لها، إلى عروض أخرى قدمها من كولومبيا ألاكس الكنتانتي، الذي يعد أحد أبرز الفنانين المحترفين الذين يتقنون العزف على الآت موسيقية مختلفة، حيث قدم الكنتانتي في عرضه مجموعة أغنيات اتسمت بإيقاعها السريع، ليأخذ جمهوره عبرها في رحلة نحو بلده كولومبيا، ليطلعهم على أسرار موسيقاها وايقاعاتها واغنياتها.
لوحة الاتحاد
في الحفل الذي حضرت افتتاحه الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيس هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير "شروق"، والشيخ سلطان بن أحمد القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للإعلام رئيس مركز الشارقة الإعلامي ومروان جاسم السركال المدير التنفيذي لهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق)، ود. ايناس عبد الديم رئيس دار الأوبرا المصرية، رسم شمة لوحة موسيقية رائعة في حب الامارات، اطلق عليها اسم "الاتحاد" وهي القطعة التي ألفها قبل عامين مستوحياً ايقاعاتها من فرحة مواطني الدولة والمقيمين فيها باليوم الوطني، ليبدو شمة بأوتار عوده وكأنه يحكي قصة اتحاد الامارات، ناشراً الفرح والأمل بين جمهوره الذي صفق له طويلاً.

