يرفض رئيس الأورغواي خوزيه موخيكا أن يوصف بالرئيس الأكثر فقراً في العالم، لنبذه حياة القصور لصالح العيش في بيت صغير في مزرعة، ولمنحه جزءاً كبيراً من راتبه للمشاريع الاجتماعية، ولسفره في الدرجة السياحية، وقيادة سيارة فولكسفاكن قديمة، ويرى هذا المقاتل السابق في منظمة حرب العصابات في أميركا اللاتينية "التوباماروس" أنه ليس الرئيس الأفقر..
وإنما الأفقر هو الذي يحتاج الكثير لكي يعيش، مؤكدا أن نمط حياته ينبع من جروحه وتاريخه الشخصي، مقرا أنه بقدر ما يريد من الأخرين تبني أسلوب حياة أكثر واقعية، فإنه لن يستطيع إلى ذلك سبيلا، معترفاً بمحدودية خياراته في تحسين أوضاع المجتمع، ومحاربة الاستهلاك المفرط في ظل هيمنة منطق السوق.
ابن تاريخه
وترى صحيفة "غارديان" البريطانية في تقرير نشرته أخيرا، أن موخيكا البالغ من العمر 78 عاما والمعروف بـاسم "بيبي"، أصبح له باع طويل في السياسة منذ انتمائه إلى منظمة "التوباماروس" التي ذاع صيتها في سبعينات القرن الماضي بسرقة المصارف والخطف وتوزيع الطعام والمال المسروق على الفقراء على طريقة "روبن هود"، ليدرك أنه من الحماقة الزعم أنه مثال يقتدى في عصر التقشف، حيث يقول: "إذا طالبت الناس أن يعيشوا كما أعيش، فسوف يتخلصون مني".
نمط الحياة
والرئيس الذي تخلى عن القصر ووهبه للمشردين يرى أن أولئك الذين يعتبرونه فقيرا يفشلون في فهم معنى الثروة، يقول: "إنما الأفقر هو الذي يحتاج الكثير لكي يعيش، ونمط حياتي ينبع من جروحي. فأنا ابن تاريخي، وقد مرت علي سنوات كان بالإمكان أن أكون فيها سعيدا بحصولي على فراش أنام عليه". وكان قد تعرض لإطلاق نار مرات عدة على يد الشرطة، وقضى 14 سنة في سجن عسكري، قبل أن ينتخب رئيساً في عام 2009.
وموخيكا وزوجته، عضو الكونغرس والرئيسة السابقة بالوكالة، لوسيا توبولانسكي، اللذان يتحدثان باعتزاز حول لقاءاتهما مع شي غيفارا، يعيشان ضمن إمكانياتهما المتواضعة في بيت مؤلف من غرفة واحدة صغيرة مريحة وسط حقول من الأقحوان خارج منطقة مونتيفيديو، حمايته الأمنية حارسان على الطريق، وكلبة بقوائم ثلاث تدعى مانويلا. وهو فخور ببلاده الأكثر أمانا والأقل فسادا في المنطقة..
ويصف أورغواي بأنها "جزيرة من اللاجئين في عالم مليء بالمجانين". والبلاد تفتخر بتقاليدها الاجتماعية، حيث تحدد الحكومة أسعار السلع الأساسية مثل الحليب، وتوفر الحواسيب المجانية والتعليم لكل طفل، وكانت قد أممت قطاعي الطاقة والاتصالات.
خيارات محدودة
ومنذ أن أصبح رئيساً لأورغواي، دأب على انتقاد الاستهلاك المفرط، وتحفيز السياسات التي تؤكد موقع أورغواي باعتبارها الدولة الأكثر ليبرالية اجتماعيا في أميركا اللاتينية. لكن موخيكا يعتقد أن خيارات أورغواي في تحسين أوضاع المجتمع محدودة، يقول: "
تعبت من الطريقة التي تسير بها الأمور. نحن في عصر لا يمكننا أن نعيش من دون قبول منطق السوق، والسياسة المعاصرة تتعلق كلها ببراغماتية قصيرة الأمد. تخلينا عن الحكمة والفلسفة، وما بقي لنا هو أتمتة ما تمليه علينا السوق".
في مؤتمر "ريو 20" في الأمم المتحدة، حول التنمية المستدامة أخيرا، ثار ضد "الهوس الأعمى" بتحقيق النمو من خلال زيادة الاستهلاك. لكنه اضطر للقبول على مضض بالتوسع المادي للاقتصاد، مع تحقيق أورغواي معدلات نمو تزيد على 3%، يقول: "أنا أقاتل من أجل المزيد من العمل ..
والاستثمار لأن الناس تطلب المزيد والمزيد، وانا أحاول أن أوسع الاستهلاك، لكن مع تقليص الاستهلاك غير الضروري، فأنا أعارض الهدر للطاقة والموارد والوقت. نحن بحاجة لبناء الأشياء التي تدوم. وهذا أمر مثالي، لكنه ربما غير واقعي لأننا نعيش في عصر التراكم".
البحث عن حل
وعندما طلب منه حل هذا التناقض، أقر عدم امتلاكه إجابة على ذلك، لكنه أكد أن البحث عن حل يجب أن يكون سياسياً. يقول: "يمكننا إعادة تدوير كل شيء تقريباً الآن. وإذا عشنا ضمن إمكانياتنا، وكنا متبصرين، فإن 7 مليارات إنسان في العالم يمكنهم الحصول على كل شيء يحتاجونه. والسياسة الدولية يجب أن تتحرك في هذا الاتجاه، لكننا نفكر كشعوب ودول، وليس كجنس بشري".
والماركسي السابق لديه مشاعر مختلطة بشأن الانتفاضات الأخيرة في البرازيل وتركيا ومصر. وتنسب صحيفة "غارديان" إليه قوله: "العالم سيحتاج لثورة على الدوام، لكن هذا لا يعني اندلاع أعمال عنف، فالثورة تغيير في طريقة التفكير"، وهو يسخر من التظاهرات التي تنظمها شبكات التواصل الاجتماعي التي تنتهي بسرعة قبل أن تتمكن من بناء أشياء تدوم.
