التفكير بمنطق تنشِئة جيل من السينمائيين الشباب، والبحث من خلالهم عن الهوية السينمائية، يوجه متابع التجربة العراقية، أخيراً، للتركيز على البحث الميداني لإنتاجاتهم، ما بعد أحداث عام 2003، وتحديداً ما أقدم عليه السينمائي العراقي محمد الدراجي، مخرج فيلم "ابن بابل"، في إنشاء (مركز للسينما) في بغداد، بالتعاون مع عدي رشيد.
وذلك لإعادة البحث عن مستقبل الرؤية الموضوعية لتلك الجهود، الهادفة كما أوضح الدراجي لـ"البيان" لاكتشاف المواهب وإعدادها أكاديمياً، بهدف المساهمة في زيادة الوعي بالصناعة الفنية البصرية العربية، حيث شارك الشباب، من هم نتاج المركز، في صناعة أفلام قصيرة، شاركت في مهرجان دبي السنيمائي الدولي العاشر، باسم أطفال العراق، ليصنع الدراجي من صدمة الحرب دافعاً لبناء العراق عبر السينما.
مستقبل الطفولة
المثير للانتباه، طبيعة التفاؤل الذي يكتسح تفكير الدراجي، رغم الصعوبات التي يواجهها السينمائيون الشباب، في الأوضاع السياسية والأمنية العراقية، كاشفاً أن دراسته في أوروبا وابتعاده عن العراق نحو 12 عاماً، ساهم في تأجيج دراسة مقومات الحياة، في ما يخص الأطفال في العراق ومستقبلهم.
وعنها قال: "عندما عدت للعراق، شاهدت أن الوضع بقي على ما هو عليه، في ما يخص الأطفال، مؤمناً أنها إحدى ويلات الحرب، وما حفزني للاهتمام أكثر، هي مقارنتي لكيفية اهتمام الدول المتقدمة ببيئة الطفل، باعتباره المستقبل، وتوصلت أن السينما هي الوسيلة الأسمى لمعالجتها".
قطيعة سينمائية
لفت الدراجي أن القطيعة السينمائية بين عامي 1990 و2003، هي نتاج تدمير المؤسسات الثقافية والسينمائية في العراق، حيث ما زالت دراسة السينما في العراق على النمطية النظرية، وعملياً عندما جاء لإنتاج فيلمه الطويل في عام 2003، لم تكن هناك خبرات، إضافة إلى ثقافة الممنوع وارتباطها بالكاميرا، لذلك بدأ بتشكيل مجاميع من الشباب بمتوسط عمر 20 سنة، ليشاركوهم في صناعة الفيلم، كورش داخل الفيلم.
وبدأت الورش في الأردن للشباب العراقيين، من خلال أساتذة من أوروبا، شعر بعدها الدراجي برغبته بعمل ما هو أكثر، وارتأى أثناء عمله على فيلمه "ابن بابل"، أن يشترط على الفنيين الفرنسيين والإنجليز، تعليم الشباب الموهوبين كشرط في عقد إنتاج الفيلم، وفعلاً أكمل الشباب المتدربون مع الدراجي الفيلم، وأخرجوه إلى النور.
ومن هنا انطلقت فكرة تحول الاستثمار السينمائي للشباب الجدد في مركز متخصص بالسينما كالذي أنشأه الدراجي.
مشهد مفقود
يعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، كان يستعد فريق عمل فيلم "أحلام"، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج العراقي محمد الدراجي لإنهاء تصوير الأسبوع الأخير من الفيلم، وقتها كان الفريق في الدور الخامس لعمارة سكنية، سارداً الدراجي تلك اللحظات حيث قال: "فجأة حدث إطلاق نار على معسكرات الجيش السابق، وهو جزء من أحداث الفيلم، وقد قمت بترميمها، تخيلوا وجهت طلقات على الممثل، بسبب ارتدائه الزي العسكري للجيش.
وطلب مني الفريق الفني وقتها بعدم النزول، إلا أنني ذهبت للاطمئنان على الممثلين في أسفل العمارة، لأتعرض على إثر ذلك للخطف من قبل القاعدة، وتعرضت ومن معي للاستجواب من قبلهم، واتهمنا بأننا نصنع أفلاماً مع الأميركان، ليذهبوا بنا بعدها إلى نهر الفرات، لقتلنا ورمينا فيه، شأننا شأن كل من يشكون فيه، وقتها فقدت الوعي، إلا أن الخاطفين سمعوا أصوات إنذار سيارات الشرطة، وتم تركنا وقتها ليهموا بالهرب".
وأضاف الدراجي "لم يتوقف الحدث عند تلك الحدود، بل تعرضت للخطف من الميليشيات الطائفية هناك، ولم ينقذني أخيراً إلا جنسيتي الهولندية، التي أحملها، وتجعلني حماية السفارة والسلك الدبلوماسي".
الموروث الثقافي
يستثمر المخرج محمد الدراجي، الأدب، وبالأخص الشعر، لإثراء مخيلته السينمائية، مبيناً أن فيلم "ابن بابل" حمل ذلك النفس الشاعري، وأن العراق بلد ثري بالموروث الثقافي، مثل الرموز السومرية التي تصنعها نساء العراق على السجاد وهن لا يعلمن القراءة والكتابة. وهناك ما يسمى أيضا بموروث (الطنطل) في العراق، يود الدراجي الحديث عنه سينمائيا.
وأوضح الدراجي أن الإمارات اليوم تمثل محطة استثمارية في المجال، ويبقى انتظار الفيلم الإماراتي الطويل النوعي هو القيمة الأبرز، والسعي للتنافسية العربية والعالمية، لافتاً أن أكثر ما ينقص الحراك المحلي هو فكر اكتشاف المواهب وتأهيلها تقنياً، مشيراً إلى أن "دبي السينمائي" سيعمل خلال مرحلة الـ10 سنوات القادمة من أجل تحقيق ذلك.
رائحة الياسمين
90 ثانية قبل خروج الروح إلى السماء، وأمنيات امرأة مجهولة، أبرز محاور الفيلم الجديد للمخرج العراقي محمد الدراجي، موضحاً أنه غير مهتم بتقنية الحوار كثيراً في صناعة الفيلم، وأن الصورة السينمائية تمثل أكثر من 1000 لحظة فنية كما يقولون، مبيناً أن أول 25 دقيقة من فيلمه ستعتمد على المشهدية البصرية.

