هاجم زعيم حزب العمال البريطاني إد ميليباند صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، أخيراً، لنشرها مقتطفات من مذكرات تعود لوالده الماركسي عندما كان في سن المراهقة يعرب فيها عن امتعاضه من القومية البريطانية، واتهمها في مقالة نشرها في الصحيفة نفسها، كحق له بالرد، بتشويه سمعة والده واصفاً ما قامت به الصحيفة بـ"الاغتيال المعنوي".

وحاز على دعم من رئيس الوزراء ديفيد كاميرون وزعيم الديمقراطيين الليبراليين نيل كليغ، لكن الصحيفة واصلت الهجوم، فنشرت إلى جانب مقالة ميليباند نسخة مختصرة عن المقالة الأصلية، مع افتتاحية تحت عنوان "إرث شرير ولماذا لن نعتذر"، رددت فيها المزاعم نفسها قائلة إن والده لا يكن إلا "مشاعر الازدراء بالقيم والتقاليد والمؤسسات البريطانية".

فيما نفضت الشركة الأم لـ "ديلي ميل" يديها من القضية، لا سيما في أعقاب الهجوم الذي تعرضت له بسبب المواقف المؤيدة للنازية لمؤسس الصحيفة اللورد روذرمير، قبل الحرب العالمية الثانية.

إعجابه بوالده

وذكرت صحيفة "إندبندنت" البريطانية، في تقرير عن الموضوع نشرته أخيراً، أن ميليباند كان معجباً بوالده رالف ميليباند المتوفى في عام 1994، مشيراً إليه مراراً في خطبه، وكيف أثرت القيم والخبرات التي كان يتحلى بها في تشكيله، وقد رأى في تصرف صحيفة "ديلي ميل" "تجاوزاً" لحدود النقاش المتحضر من خلال "تلويث وتقويض" سمعة أبيه، ونشر "أكذوبة مروعة" عنه بأنه كان "رجلاً يكره بريطانيا".

وكانت صحيفة "ديلي ميل" في افتتاحيتها قد ردت على ميليباند قائلة: "ما تقشعر له الأبدان هو أن ازدراء الأب لحرية التعبير يمكن رؤيته في عزم ابنه إخضاع الصحافة البريطانية للمراقبة القانونية، وإذا تمكن من قمع حرية الصحافة، فوالده سيكون بدون شك فخوراً به من تحت قبره، حيث يرقد على بعد 12 متراً من رفات كارل ماركس".

وميليباند قال إنه "روّع" لتكرار الصحيفة "الأكذوبة" نفسها بأن والده كان يكره بريطانيا، ومما قاله: "لست على استعداد لأن اترك السمعة الطيبة لوالدي تلوث وتقوض بالطريقة التي تلوثها وتقوضها صحيفة "ديلي ميل". فالأمر يتعلق بالصواب والخطأ. وحول الطريقة التي نجري بها النقاشات السياسية في هذه البلاد".

رفض التراجع

لكن الناطق باسم الصحيفة رفض التراجع عن الهجوم قائلاً: "نسأل الأشخاص المنصفين أن يقرأوا افتتاحيتنا. وما تؤكده هذه الحادثة هو انه لا يمكن أن يسمح للسياسيين بالاقتراب من تنظيم عمل الصحافة". لكن ميليباند نفى الأمر وقال: "الأمر لا يتعلق بتنظيم الصحافة، بل بالحق والباطل".

وحظي ميليباند بدعم من مجلس العموم البريطاني، فقال زعيم الحزب الديمقراطي الليبرالي نيك كليغ إن "السياسة يجب أن تكون حول اللعب بالكرة وليس بالشخص، وبالتأكيد ليس بعائلته"، فيما قال كاميرون: "إذا حاول أي شخص النيل من والدي، فإنني سأرغب في الرد بقوة شديدة".

ولكن النائب المحافظ زاك غولدسميث ذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن صحيفة "ديلي ميل" كانت داعمة متحمسة للنازيين في ثلاثينات القرن الماضي. ومما قاله: "من الغرابة أن تقوم صحيفة بإطلاق الأحكام على رجل على أساس تاريخ عائلته عندما تكون تلك الصحيفة مملوكة من قبل عائلة فعلت اكثر من أي مطبوعة أخرى في العمل من أجل قضية النازية قبل الحرب العالمية الثانية".

حليف قوي

وبالإشارة إلى هارولد هارمزوورث، اللورد روذرمير، الجد الأول لمالك الصحيفة الحالي قال غولدسميث: "جوزيف غوبلز، وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر، كتب وثائق لا تحصى ولا تعد عن روذرمير، واصفاً إياه بالحليف القوي".

يقول ميليباند: "النقاش الشرس حول السياسة لا يبرر اغتيال شخصية والدي، والتشكيك بوطنية رجل خاطر بحياته من أجل بلادنا أو نشر صورة لقبره مع تورية لا طعم لها بأنه (اشتراكي خطير).

وتزعم صحيفة "ديلي ميل" أحيانا أنها تقف إلى جانب أفضل القيم البريطانية.. لكن شيئاً ما ذهب في الاتجاه الخطأ فعلاً عندما تهاجم عائلة سياسي.. بهذه الطريقة. والأمر يصح لو كان الهجوم على والد ديفيد كاميرون أو نيك كليغ أو والدي".

أصل الحكاية

بدأ الخلاف بين زعيم حزب العمال البريطاني إد ميليباند وصحيفة "ديلي ميل"، عقب قيام الكاتب جيفري ليفي في الصحيفة بالتفتيش في المعتقدات السياسية لوالده رالف ميليباند. وقد أخذت الصحيفة مقتطفاً من مذكرات هذا الأكاديمي الماركسي، عندما كان في الـ 17 من عمره يقول فيها إن الرجل الإنجليزي "قومي مسعور" وأحياناً "تريد منهم أن يخسروا الحرب لتبين لهم كيف تسير الأمور".

ويرى ميليباند أن السياسة لا تبرر "الاغتيال المعنوي" لوالده، الذي التحق بالبحرية الملكية البريطانية وقاتل في الحرب العالمية الثانية بعد وصوله إلى بريطانيا من بلجيكا. وقال في هذا السياق إنه يقبل بمحاسبة السياسيين لكن ما ظهر في صحيفة "ديلي ميل" كان من ترتيب آخر مختلف تماماً، مضيفاً: "أعلم أنهم يقولون لا يمكنك التشهير بالموتى، لكن يمكنك تشويه سمعتهم".