ما زالت وزيرة الهجرة الإيطالية السوداء سيسيل كينجي متفائلة بتسامح المجتمع الإيطالي تجاه الأعراق الأخرى، على الرغم من تعرضها شخصيا لوابل من الإهانات الجنسية والعنصرية المتكررة، كان آخرها قيام إيطاليين مناهضين للهجرة بوضع ثلاثة نماذج لعارضات ملطخة بدماء مزيفة خارج مبنى البلدية، حيث كان من المقرر أن تلقي خطابا، وترى الوزيرة أن إيطاليا وصلت إلى طرح موضوع الهجرة متأخرة جدا، وتحتاج للبدء في بناء الوعي بشأنه، مؤكدة أن لا شيء سيردعها عن المضي بخططها في دمج المهاجرين في المجتمع الإيطالي.

وترى صحيفة "أوبزرفر" البريطانية التي أجرت حواراً مع الوزيرة الإيطالية، أن الأمور تزداد صعوبة أمام أول وزيرة سوداء في تاريخ الحكومات الإيطالية للحفاظ على تمسكها باللازمة التي تكررها بشأن تسامح إيطاليا، فيما يجري تشبيهها بالقردة، وترمى بأقراط الموز، لكن كينجي تحاول جاهدة، فيما الإهانات السامة الموجهة ضدها تؤكد حاجة إيطاليا للحاق السريع بموضوع الهجرة، فيما يزداد عدد المقيمين الأجانب فيها إلى نسبة 7% من السكان.

قالت كينجي في اليوم الذي اكتشفت خلاله نماذج العارضات الملطخة بالدماء: "لم أقل يوما إن إيطاليا عنصرية، فكل دولة تحتاج للبدء في بناء الوعي بالهجرة، وإيطاليا وصلت إلى ذلك متأخرة جدا".

ومن مكتبها في روما، أصرت كينجي على أن الأطفال الذين يترعرعون في بوتقة إيطاليا المزدهرة أحرار من تحامل والديهم وتحيزهم. قالت: "الأمر أسهل بالنسبة للشباب الذين ترعرعوا بعقلية مختلفة، والذين التقوا بأناس من أماكن أخرى".

لكن أحزاب اليمين المتطرف مثل "فورزا نيوفا" الذي ترك نماذج العارضات في مبنى البلدية على طريقة حركة "كوكلوكس كلان"، لا تنظر إلى الأمور بالطريقة نفسها. وقال عضو الحزب في البرلمان بابلو دو لوكا إن عمل كينجي باسم المهاجرين، يستهدف "تدمير الهوية الوطنية".

ويشاركه في هذا الرأي حزب "العصبة الشمالية" المناهض للهجرة في إيطاليا، الذي دعم حكومة سيلفيو برلسكوني حتى انهيارها في عام 2011. وكان نائب الحزب ماريو بورغيزيو أول من حرك الكرة في مايو الماضي بزعمه أن كينجي ستفرض "شروطا قبلية" على إيطاليا، وتساعد في تشكيل إدارة أطلق عليها تسمية "بونغو- بونغو"، وهو تعبير يسخر من إدارات العالم الثالث، مضيفا أن الإفريقيين لم "ينتجوا جينا عظيما".

بعدها في شهر يونيو الماضي، دعا مستشار الحزب إلى اغتصاب كينجي، وتلا ذلك قيام عضو الحزب والوزير السابق في حكومة برلسكوني، روبرتو كالديرولي، بمقارنتها بقرد "الأورانغ أوتان" قبل أن ترمى بالموز، فيما كانت تلقي خطابها. ووصلت ذروة الذم مع قيام نائب عمدة من الجناح اليميني في ليغوريا بمقارنة كينجي في صفحته على "فيسبوك" بالبغايا الإفريقيات في الغالب اللواتي يصطففن في الشارع.

وكان هذا الاستقبال قاسيا لامرأة انتقلت إلى إيطاليا للعمل في العون المنزلي، فيما كانت تتدرب لتصبح طبيبة عيون، وتزوجت من إيطالي، ودخلت عالم السياسة المحلية في مودينا، للضغط من اجل المزيد من الحقوق للمهاجرين، قبل فوزها بمقعد في البرلمان في فبراير الماضي.

قالت كينجي، طبيبة العيون البالغة من العمر 49 عاما: "عندما وصلت إلى إيطاليا في عام 1983، كنت واحدة من قلائل، وكنت بالنسبة لهم مجرد حالة تدعو إلى الفضول. ثم في تسعينات القرن الماضي، عندما بدأت الهجرة الجماعية، بدأ النظر إلى المهاجرين كتهديد"، وقالت وهي تتذكر المرضى الذين رفضوا أن تزورهم لمعاينتهم: "كانت العملية تحتاج أن يصاحبها المزيد من المعلومات في وسائل الإعلام والمدارس، إلى جانب قوانين افضل".

ثم جاء التراجع الاقتصادي، وارتفاع معدل البطالة في إيطاليا إلى نسبة 12%، مما ساهم في التصورات إزاء المهاجرين بأنهم "سارقو وظائف".

وهي ترى مهمتها الرئيسية في إقناع البلاد التي ليس لديها نقص في الثقافة، من طعامها وصولا إلى فنونها، انه يوجد دوما مجال للمزيد، تقول: "التنوع والمشاركة بشيء لا تملكه، يقدم الكثير".

وبدلا من تهديد التقاليد الإيطالية، قالت كينجي إن الساعين إلى ملجأ في إيطاليا من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وسوريا يمكن تعليمهم سبل إعادة تنشيط التجارة التي هجرها الإيطاليون، لا سيما إذا سمح لهم بإقامة متاجر في قرى التلال القديمة التي يتم هجرانها بسرعة.

وتستمر كينجي في الإصرار على أن إيطاليا ليست بلادا عنصرية، وإنما تتعلم بسرعة. وتقول: "أنا وبالوتلي (لاعب كرة القدم) نفتح معا دروبا جديدة في مجالنا، ومن يقوم بذلك يواجه صعوبات جمة".