حين نعود بالذاكرة إلى سنوات كثيرة مضت، يأخذنا الحنين إلى أصوات أطربتنا، وعشنا معها قصص حب وأمل وألم، وإلى أدوار رأينا أنفسنا فيها، وعشنا تفاصيلها لحظة بلحظة، وارتبطنا بأصحابها، الذي اقتحموا الساحة الفنية، ولامسوا قلوبنا، وصنعوا أسماء ناجحة، ولكنهم سرعان ما اختفوا، دون تصريح علني بالاعتزال، تاركين وراءهم جمهوراً لا يزال يذكر أغنياتهم الجميلة أو أدوارهم الأجمل.

سقط سهواً

"يا صبحة هاتي الصينية"، غناها المطرب موفق بهجت، وغنى "سلو سلوى سلتني سهرتني"، و"أصبح علينا الصبح يا زينة"، وغيرها، وفجأة، اختفى بهجت، ولم نعد نرى "صبحة"، ولا صينية "صبحة"، ولا نعلم أين هي أراضي "سلوى"، ومتى يصبح صبح "زينة"، لأننا لا نعلم - كما الكثيرون- أين هو موفق بهجت اليوم، وأين هي أراضيه؟

في آخر حوار أجراه موفق بهجت مع صحيفة "الثورة"، أكد أنه قد تم إبعاده عن دائرة الضوء، وإغفاله دون أن يتقاعد، ولم يعرف من يسأل عن السبب، ولماذا لا تذاع أغنياته إلا من خلال ذاكرة التلفزيون!. وتحت عبارة سقط سهواً، قال:" لم يتذكرني أحد في التلفزيون أو الإذاعة أو النقابة في أي مشاركة أو تكريم، وأنا لست حزيناً من أجل ذلك، مع أن النقابة كرمت أولاد أولادي". من لا يبحث عن موفق بهجت لن يسمع أخباره، فهو كغيره ممن اختفوا دون أن يعلم أحد مصيرهم.

أصالة الدوخي

عوض الدوخي، الفنان المرهف الحس الذي كان يحمل هم الأغنية على عاتقه، ارتبط اسمه بالأصالة والإحساس العالي في ذاكرة الكثيرين، ولكنه بعد إثرائه للمكتبة الغنائية العربية، بمجموعة من أجمل الأغنيات، وبما أضافه من إنجازات في مجال الغناء، لا يزال الكثيرون يسألون عنه حتى الآن، وربما لا يعلمون أنه توفي عام 1979 م.

أخطر إحساس

ورغم أنها صاحبة "أخطر إحساس"، كما لقبها الموسيقار محمد عبد الوهاب، فالمطربة هيام يونس اليوم وُضعت في عداد الفنانات اللاتي نضطر للبحث عنهن لنتوصل إلى أخبارهن، ومثلها عليا التونسية، صاحبة "عاللي جرى من مراسيلك"، الأغنية المشهورة التي لا يزال يتغنى بها الفنانون حتى اليوم، رغم وفاة صاحبتها عام 1990 م، ومن أبرز من غناها أصالة نصري ووائل جسار وصابر الرباعي.

ذاكرة غنائية

والحديث يطول عن الأسماء التي حفرت لها مكاناً في ذاكرة التاريخ الغنائية، أو الأغنيات التي لا تسمعها الآذان إلا وتطرب القلوب، وترتسم البسمة على الشفاه، ومثال ذلك "كان عندي غزال" لعصمت رشيد، و"ميلي علي ميلي" لدياب مشهور، و"يا ما رحنا ومشينا" لنعيم حمدي، وغيرهم، بالإضافة إلى علاء عبد الخالق الذي كان مطرب جيله، وسيمون التي كانت ظاهرة فنية مقارنة بأبناء جيلها، ولكنهما اليوم في عداد المجهولين بالنسبة للجمهور.

وكغيره، برز محمد ثروت واختفى، وكانت انطلاقته مع الكبار، أمثال محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وغنى بعد ذلك للأطفال، إلى جانب الأغنيات الوطنية، كما اتجه للأناشيد الدينية، ولكن أين هو اليوم وماذا يفعل، سؤال يحتاج إلى بحث وتنقيب.

نهايات

سمير يزبك الذي صدحت حنجرته بأجمل الأغنيات، نشر موقع "النشرة الإلكترونية" قبل فترة، خبراً عنه تحت عنوان" سمير يزبك يعاني المرض وإهمال الدولة"، هذه هي نهاية يزبك، ولكن نهايات أخرى كثيرة غير معروفة بالنسبة للجمهور، منها الفنانة أمينة فاخت، وعزيزة جلال، وغيرهما.

قائمة التمثيل

في مجال التمثيل، فالقائمة متخمة بالأسماء، فجيهان نصر التي تميزت بجمالها وأدائها التمثيلي الراقي، اختفت فجأة بعد زواجها، وبحث عنها الجمهور في أدوار البطولة التي تستحقها، فلم يجدها. ومثلها، اختفت سحر رامي، وعبير الشرقاوي، ووفاء مكي، وحاتم ذو الفقار، ومظهر أبو النجا، وإيمان الطوخي، وفايزة كمال، ورانيا الكردي، وشيرين سيف النصر، والقائمة تطول. أسباب الغياب مجهولة بالنسبة للكثيرين، ومعروفة بالنسبة للبعض، ولكن هل يُعد هذا الغياب أمراً طبيعياً، وهل اكتفى الفنانون بما حققوه من نجاحات، فاختفوا عن الأنظار، أم أن المسألة متعلقة بظروف إنتاجية، وأمور أخرى لا يدركها الجمهور؟.