يحتاج إعادة اكتشاف الفنانة الإماراتية موزة سعيد، أول مطربة خليجية بحسب رصد سابق سجله الباحث الإماراتي عيد الفرج، إلى القراءة التحليلية لمفهوم الموهبة الخاصة بالفنانة موزة من ناحية، وإلى تفاصيل طبيعة الموسيقى والغناء في مجتمعنا المحلي من ناحية أخرى، فالحديث عن عهد الستينات والسبعينات تحديداً يحمل في طياته جملة من المعوقات الاجتماعية والدينية والفكرية، والفنانة موزة بريادتها للإيقاع الموسيقي تاريخياً في الخليج، إنما أسست خطوة نحو جيل من المواهب النسائية، ما يتبادر إلى ذهن المتابع للحراك الفني، العديد من التساؤلات حول وهج تلك الشخصية الإماراتية التي يرجع مواليدها إلى إمارة رأس الخيمة، بينما كان ملجؤها الغنائي إلى البحرين، لتعود بعدها إلى الكويت والإمارات، مغنية تصدح بصوتها عبر المسرح المحلي، وأبرز تلك الأسئلة هي: من أين آمنت بأن للغناء والموسيقى سحرا في تكوينها الفطري، وألا سبيل لها إلا البوح به، ومواجهة مجتمعها بالكامل؟

ريادة استثنائية

الإجابة الشافية حول رحلة موزة سعيد إلى البحرين، وتخلصها من اسمها المستعار "رجاء عبده"، التي تغطت به، لتتحاشى ردود فعل عنيفة من مجتمعها، جاءت في مناقشة قدمها الباحث الموسيقي عيد الفرج، قائلاً: "المجتمع كان رافضاً تماماً للموسيقى والغناء، وصعوبة ظهورها علناً جعل من البحرين منفى فنيا، وبحثاً آخر لمونولوج خارجي مع مفردات الموسيقى، لأن أصل تلك النوتات المرصودة في حنجرة عاشق الغناء، خُلقت للظهور والتعاطي"، ولا يزال يؤمن الفرج بأن هناك في الأفق ريادة استثنائية للفنانة موزة، يستحق تناول مسيرتها الفنية بأبعادها الإنسانية، ذات الصدى الشخصي لولادة امرأة من هذه الأرض، اجتازت كل مخاوف الرفض المجتمعي إلى القبول النوعي نحو الرقي في تناول الكلمة والمعنى.

أحبالها الصوتية

دراسة صوت الفنانة موزة يستدعي اللجوء إلى تسجيلاتها القديمة، سبيلاً موضوعياً لتفصيل أسباب اختيارها لبعض الأغنيات وأشكال طرحها عبر وسائل الإعلام، حيث يوفر "اليوتيوب" سعة جمالية عبر تحميله لبعض تلك المختارات الموسيقية، ومن بين أشهر تلك المقاطع أغنية "سألت العين.. حبيبي فين"، والمعروف عن هذه الأغنية أنها ترجع إلى أصول يمنية، ورجوعاً إلى الفرج فإن ارتباط الغناء الخليجي بالفن اليمني، إنما عراقة تاريخية ممتدة منذ نشأة الفن في الخليج. وما يستوقف المستمع إلى تلك الأغنيات بصوت الفنانة موزة هو "بحة" أحبالها الصوتية، التي تقيس عبرها المزاجية العامة للفنانة، وارتباطها بالكلمة وخاصةً مخرجات الحروف الحادة، وهذا يعود بنا إلى الشك الذي راود العديد من مستمعيها أنها فنانة يمنية، وهو مقياس نسبي لإتقانها الأغنية.

الفن وطن

نشر للفنانة موزة سعيد أغنية "عيني على الزين"، عبر فيديو مصور يعرض جلسة غنائية إحدى الأشكال التقليدية الخليجية في الغناء- ترتدي فيها موزة فستانا أسود نسجت بين أطرافه وزواياه خيوطاً باللون الأخضر، أما تسريحة الشعر فتعود إلى ما بين ستينات وسبعينات القرن الماضي، وتراها تستخدم بودرة المكياج الخفيفة، وتتوسط موزة الآلات المستخدمة للإيقاع، والآلات الوترية مثل: العود والكمان، ومجموعة من الشبان يحيون الأمسية الغنائية بتحية تستخدم وهو عُرف بين أوساط المشاركين في إحياء تلك التجمعات الغنائية التقليدية، وبها تسيل موجة ذكريات المكان وعهد تلك المرأة التي اتخذت من الفن وطناً، وربما كان التصوير في البحرين أو الكويت، كعادة أغلب مواقع تسجيل أغنيات الفنانة موزة، والذي يقدم مؤشراً لمفاهيم الهجرة الفنية، الذي يضاف إلى بلد الفنان بعد سنوات، بحراً من ربوع حضارتها الاجتماعية والثقافية.

عرض حيّ

في بداية ظهور الفنانين الخليجيين إلى عالم الغناء، فإن الانصات إلى أغنيات فنانين آخرين وحفظها الوسيلة الأسمى لصياغة ذاكرة موسيقية، وبالرجوع إلى أسلوب الفنانة موزة، فإن الملاحظ للصورة الغنائية، أنها تغني بانسيابية تامة، إلى جانب تناسب صوتها مع ألحان الأغاني، دون تقطيع أو خطأ في الكلمات، وخاصةً أن تسجيل الأغنية أو عرضها يكون حياً، وفي مواجهة الجمهور وميكرفون الأستوديو، وبها يتوصل المتذوق للأغنية الخليجية وتاريخها إلى الانتماء الفعلي بين الفنان والعمق الموسيقي النابض في داخله.