اعتدنا أن نرى الشاشات التلفزيونية، تمتلئ على آخرها بالمسلسلات. ولكننا لم نعتد رؤيتها مملوءة بهذا الكم من الجرأة غير المعهودة، والتحرر بوجهة البشاعة، والتي طالت الألفاظ والمَشاهِد بكل ما فيها من قسوة وسوء اختيار.

إيحاءات جنسية صريحة، ونظرات يصعب تفسير معناها للأطفال، وألفاظ ثقيلة على الأذن، ومشاهد تخدش حياء المُشاهد، احتوتها مجموعة من المسلسلات العربية خُتِم بعضها بعبارة "+18"، بينما بقي البعض الآخر من دون ذلك.

وبين مسلسل وآخر، يضيع الجمهور المسكين مع الجرعات التي يتلقاها، واحدة تلو الأخرى، ويبقى لسان حاله يناجي القنوات التلفزيونية والمسؤولين فيها، ليرحموا المُشاهد ويراعوا حرمة الشهر الفضيل، بتشديد الرقابة على ما يعرضون.

وضع خطير

تابعت عائشة زبادي، مديرة قسم في أحد المراكز التجارية، مسلسلات "حكاية حياة" و"لعبة الموت" و"القاصرات" و"موجة حارة". وتقول في هذا الشأن: "لا أنتقل من مسلسل إلى آخر حتى أُفاجأ بجرعة كبيرة من العري والمشاهد المخجلة، وتدهشني الجرأة الكبيرة، خصوصاً في الكلام الصريح والتفصيلي، والوصف الكلامي لهذه وتلك، ويضايقني أن القنوات التلفزيونية تستغل شهر رمضان للترويج لهذه النوعية من المسلسلات، ولقصص الخيانات وطرق إخفاء العلاقات غير المستقيمة، وللممثلات اللواتي يظهرن يرتدين قمصان النوم، وغيرها من الثياب غير المحتشمة، وأشعر بالخجل من مشاهد كثيرة".

وتلفت عائشة إلى أن عبارة "+18" تجذب الفئة العمرية الأصغر، بسبب حب الفضول، وتوضح رأيها: "كل ممنوع مرغوب، ومجرد ذكر هذه العبارة كفيل بجذب الأنظار نحو ما تخفيه وراءها".

وتطالب، في هذا الصدد، القنوات التلفزيونية، بتشديد الرقابة على ما يُعرض في رمضان. وتضيف: "للأسف، أصبح المشاهد اليوم، يتقبل كل شيء، وهذا وضع خطير جداً، ولذا على التلفزيونات أن تنتبه إلى ما تقدمه، وتضع في اعتبارها مسؤولية بناء الأجيال الجديدة".

مناشدة

لا يسمح أحمد عبدالمحسن، تاجر سيارات، لأبنائه بمشاهدة المسلسلات التي تحتوي مشاهد جريئة، ويبرر موقفه هذا: "تعرض القنوات المختلفة مسلسلات متنوعة، وكثير منها لا يناسب حرمة الشهر الفضيل، ومنها ما يفتح عيون الأطفال على أمور تخدش حياءهم وتقتل براءتهم، وتتسبب أيضاً في مشكلات كثيرة في البيت الواحد، وأتوجه برسالة للمسؤولين في القنوات المختلفة، بأن يتذكروا أن المحتوى الإعلامي أمانة، وعليهم تقديم جرعات تلتزم بمعايير أخلاقية ومجتمعية هادفة".

"جرأة ممزوجة بالدم، ومشاهد عري وقتل"، هكذا يصف سامر علي، مبرمج في شركة خاصة بمدينة دبي للإعلام، حال المسلسلات العربية. ويتابع: (أشاهد "العقرب" و"موجة حارة" و"آسيا"، ووجدت مبالغة كبيرة في جرعات العري والمشاهد المخلة بالآداب، واللقاءات العاطفية بلا أي محاذير، وكثير منها يجرح المشاهد وأغلبها لا يحمل أهدافاً سامية وراقية).

ويشير سامر إلى أن عبارة "+18" تعطي انطباعاً صريحاً بأن هناك شيئاً غير طبيعي أو عادي في المسلسل. كما أنه يطالب الفضائيات بعرض أعمال هادفة: "لم يعد هناك رقابة على ما يُعرَض، وأصبحنا نخشى ترك الأطفال وحدهم أمام التلفزيون، فهو لم يعد أميناً عليهم، ونتمنى أن نرى الأعمال الهادفة".

ويوجه سامر رسالة إلى المحطات التلفزيونية: "أتمنى أن تركزوا على الدراما الهادفة، التي تُعلم أبناءنا حسن الخلق، كأعمال السير الذاتية".

إيحاءات

سيرين التلي، مساعدة إدارية في محل تجاري، تتابع "اسم مؤقت" و"مزاج الخير" و"موجة حارة" و"نيران صديقة"، وتؤكد أنها لاحظت حقيقة كون جرعة التحرر في هذه الأعمال، زادت عما قبل، فما تعرضه المسلسلات هو الواقع الذي كان خافياً من قبل، ولكنها ترى أنه لا يصح أن تنقل الفضائيات كل شيء كما هو، فهناك أشياء يجب أن تبقى حبيسة الجدران، وهذا دليل على عدم وجود رقابة.

وتلمح التلي إلى أن "مزاج الخير"، يحتوي بعض اللقطات الجريئة، وتشرح وجهة نظرها: "يعرض المسلسل لقطات تحتوي على ألفاظ وإيحاءات لا تناسب حرمة شهر رمضان، وأشعر بالحرج وأنا أشاهدها أمام الآخرين، وأطالب الفضائيات، بأن تشدد الرقابة على المواد التي تعرضها".

يشاهد علي محمد، متقاعد، المسلسلات الخليجية. ويؤكد أنها جيدة تناسب المشاهد العربي، ولكنه يبين أنه لا يحرص على متابعة الأعمال العربية، لافتاً إلى أن الجرأة في الأعمال الدرامية غير مقبولة، وأنه عادة ما يغير القناة التي يشاهدها، في حال وجد فيها ما يتنافى مع الأخلاقيات العامة أو يخدش الحياء".

لماذا؟

لا تخفي فوزية طارش، مديرة إدارة التنمية الأسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية، ضيقها الكبير من جرأة ما تعرضه بعض القنوات التلفزيونية. وتقول في الخصوص: "يتكرر هذا الموضوع كل عام. فهناك أجهزة إعلامية كثيرة لم تعد تراعي حرمة الشهر الفضيل، وكذا العادات والتقاليد. ورغم تكثيف البرامج الدينية في المحطات الفضائية، إلا أنها لا تغطي على التجاوزات التي تعرضها المسلسلات".

وتتساءل فوزية: "لماذا لا تركز الدراما على الأعمال الهادفة التي تحقق التماسك الأسري وتحث عليه، خصوصاً أن رمضان هو شهر التجمع الأسري؟".

وتحدد جملة نقاط ترى أن المحطات الفضائية، معنية بمراعاتها في السياق: "يجب استغلال هذا الشهر لمناقشة القضايا التي يعاني منها المجتمع كالطلاق، وإهمال المسنين في إطار هادف، وبشكل يتسم بالحشمة، ولكن ما نراه هو مشاهد الرقص والسجائر والتدخين والعري وغيره، والمشكلة أن الأطفال يسهرون في رمضان حتى وقت متأخر من الليل، ويحصلون على جرعة مكثفة من تلك المشاهد".

وتقترح مديرة إدارة التنمية الأسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية، إيجاد لجنة، على مستوى مجلس التعاون الخليجي، تعنى بدراسة هذا الموضوع.. وكذلك وجوب تولي جهة محددة لمهمة الرقابة على المسلسلات التلفزيونية. وتشدد فوزية، في الإطار، على الإفرازات المستقبلية الخطرة لمجموعة برامج، ومنها أحد البرامج الذي يستضيف الأطفال للرقص فقط، وهذا، كما تقول، أمر مستنكر ومرفوض.