معنى أن يكون الفن رسالة، هو أن يتحدث بلسان الجمهور، مستخدماً لغتهم، وناقلاً لواقعهم، ولكن يبدو أن مفهوم الرسالة لم يكن واضحاً في السنوات الأخيرة، أو أن اللغة التي تحدث بها الفن كانت مبهمة وجديدة، وخصوصاً في الدراما المصرية، فقد أخذ الفن منحىً آخر.
وانشغل عن المضمون بالصورة، واستبدل مخاطبة العقول بمغازلة العيون، ليخرج بالتالي بقصص أولاد الذوات، وليؤجج حسرة البسطاء وهم الشريحة الكبرى التي تمثل الشعب المصري، وكأنه يذكرهم بفقرهم، وخصوصاً في الأوضاع التي تعيشها مصر في الوقت الحالي.
تعليقات لاذعة
ديكورات ولا في الخيال، وتصميمات على أعلى مستوى من الحرفية والإبداع، وبيوت ملكية أو قصور كانت مواقع تصوير مسلسلات رمضان، وأولها مسلسل "حكاية حياة" الذي علق بشأنه أحد المشاهدين بعد مشاهدته للحلقات الأولى قائلاً: "ده احنا طلعنا غلابة أوي"، بالإضافة إلى تعليقات كثيرة أغلبها مؤلم وموجع، رافقت المسلسل بمجرد عرضه.
ففي حين يبحث الكثيرون عن لقمة العيش، أو مأوى يستر أجسادهم، نرى سيارة بطل المسلسل تتربع في قلب صالون الفيلا، ما دعا أحد المشاهدين للتعليق على الأمر قائلاً: "بالنسبة للكراج اللي جوا الفيلا، احنا طلعنا عايشين في كشك سجاير".
بلغت ميزانية المسلسل 35 مليون جنيه وتلعب بطولته الفنانة غادة عبد الرازق، التي شاركت المخرج محمد سامي اختيار قطع الديكور، وأشرفت بنفسها على تفاصيله، وخصوصاً بعد التعليقات الكثيرة وحالة الإبهار التي أحدثتها فيلا مسلسلها السابق "مع سبق الإصرار".
والحديث لا ينتهي عند "حكاية حياة"، بل يبدأ منه وينتقل لـ"العراف" بطولة الفنان عادل إمام وإخراج رامي إمام والذي بلغت تكلفته 50 مليون جنيه، و"نكدب لو قلنا ما بنحبش" ليسرا، و"خلف الله " لنور الشريف، و"آسيا" لمنى زكي" والذي بلغت تكلفة كل منها 30 مليون جنيه، بالإضافة إلى "الشك" لحسين فهمي ورغدة، و"الداعية" لهاني سلامة بتكلفة 20 مليون جنيه.
وجع البسطاء
هي أرقام خيالية لم تسمع بها الدراما المصرية من قبل، وصور لم يراها المشاهدون من قبل، وكانت بالنسبة للكثيرين مستفزة وخارجة عن المعقول، فالفخامة فيها أكثر من الحد المسموح به، وأبطالها أصحاب ثروات ضخمة يُعَدون على الأصابع.
وفي هذه الصورة الجديدة شعر البسطاء بالوجع، فهم غير موجودين فيها، بحثوا عن أنفسهم فرأوا أنهم أفقر مما هم عليه في الواقع، وشعروا بضعفهم الحقيقي، وأصيبوا بأمراض وصفها أحد المشاهدين بقوله:" أول 15 دقيقة من مشاهدتي للمسلسل جابت لي المرارة".
عوالم خيالية
فيلتا "الداعية" و"الشك" أحدثتا أيضاً ردود أفعال مختلفة، وديكورات "آسيا" المبتكرة بطابعها الشرقي العتيق، وغيرها كان لها نصيب من اهتمام المشاهدين، ودور في زيادة شغفهم حول عالم لم يروه من قبل، ويبدو من كل ذلك أن تأثير الدراما التركية انعكس على المصرية بشكل كبير، إذ نجحت في تغيير الصورة النمطية للدراما العربية.
وأصبح اختيار مواقع التصوير والتركيز على الملابس والديكورات من أساسيات العمل، وأصبحت الصورة المصرية سينمائية ومنافسة للتركية، ما قد يجعل القنوات المصرية تعيد النظر في مسألة شراء الأعمال التركية، فالجودة أصبحت مشابهة هنا وهناك، ويبقى الحديث في تكلفة الأعمال وأسعار شرائها محل جدل.
نقاط قوة
رغم النقد الذي طال هذه الأعمال يجب الاعتراف أن المسلسلات المصرية نجحت في الخروج عن المألوف، والتمرد على قيود الاستوديو، والانطلاق نحو عالم فسيح، ورغم أن ذلك يعبر عن ذكاء المنتجين وصناع الدراما في الابتكار وجذب الأنظار، وهذه نقطة قوة تحسب للمسلسلات، إلا أنها في المقابل أشعرت الكثيرين بالضعف والعجز، وهذا ما لم تحسب له غادة عبدالرازق وزملاؤها أي حساب.
