عاد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الطامح لولاية ثانية إلى مسرح الأحداث، أخيرا، لمناشدة الفرنسيين دعم حزبه المثقل بالديون والمشرف على الإفلاس بسبب رفض المجلس الدستوري في فرنسا حسابات نفقات حملته الرئاسية الأخيرة، وساركوزي الذي سيجبر شخصيا على دفع المبلغ المستحق على حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" والبالغ 11 مليون يورو، في حال لم يجد الحزب طريقة لسد هذه الفجوة في تمويله في القريب العاجل، لا زالت شعبيته متدنية حسب أحدث استطلاعات الرأي، لكنها تحقق تقدما في ظل غياب البديل المقبول من أوساط يمين الوسط.
وترى صحيفة "إندبندنت" البريطانية في تقرير نشرته أخيرا، أن الحكم الأخير شكل فضيحة وضربة إضافية لآمال ساركوزي السياسية، حيث أنه يواجه مزاعم أخرى تتعلق بتمويل غير قانوني لحملته الرئاسية الأولى في عام 2007، علاوة على التحقيق معه بقضية استغلال وريثة لوريال، ليلان بيتنكورت، على الرغم من نفيه ارتكاب أي خطأ.
تبعات ثقيلة
لكن ساركوزي على الرغم من الصعوبات التي أوقع الحزب فيها، وفي أول تحرك سياسي له منذ "تقاعده" بعد هزيمته في مايو السنة الماضي، استقبل كبطل في الاجتماع الطارئ الذي عقده حزبه لمناقشة أزمة الديون المتفاقمة، والذي ضم أكثر من 500 مسؤول في الحزب من كل أنحاء فرنسا أخيرا، إلا أن تزايد شعبيته ضمن قواعد الحزب لم يترجم في استطلاعات الرأي الأخيرة، التي أشارت إلى معارضة ثلاثة من أصل كل خمسة فرنسيين ترشحه لمنصب الرئاسة في عام 2017.
وكان المجلس الدستوري قد أيد القرار المتخذ من قبل اللجنة المالية للانتخابات السنة الماضية، التي حكمت أن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية خرق حدود النفقات القانونية المسموح بها في تمويل الحملات، وقدم حسابات مضللة.
لكن ساركوزي أدان الحكم قائلا إنه ستكون له "تبعات على المعارضة وعلى الديمقراطية"، وقد تنحى على الفور من المجلس الدستوري من أجل استعادة "حرية التعبير" حسب قوله، ولم يشارك في المداولات التي تتعلق بتمويل الحملة.
والحكم الصادر أخيرا يحرم حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية من 11 مليون يورو من أموال دافعي الضرائب، لتغطية ما يصل إلى نصف نفقات الحملة الرئاسية الإجمالية لساركوزي. والحزب الذي يواجه دينا كبيرا أصلا سيفلس بالتأكيد نتيجة لهذا الحكم. فقد خسر 14 مليون يورو من التبرعات منذ إدائه السيء في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، وهو مدين للمصارف بمقدار 55 مليون يورو، ولقد تجاوز إمكانياته اكثر بالانتقال إلى مقر جديد فخم في ديسمبر الماضي. وكان الحزب قد أخذ قرضا مصرفيا السنة الماضية، مع توقع تسديد الدولة نسبة 47% من نفقات الحملة، ويفترض سداده بنهاية هذا الشهر، والضامن الشخصي الرئيسي لهذا القرض حسبما تبين كان ساركوزي نفسه.
ولقد ناشد الحزب مؤيديه لتقديم تبرعات عاجلة. لكنه إذا فشل في جمع 11 ملايين يورو خلال الأسابيع المقبلة، فإنه سيواجه الإفلاس، والمصرف سوف يطلب من ساركوزي سداد الديون.
تداعيات بعيدة المدى
وقدرة ساركوزي على دفع المبلغ إذا ما طلب منه ذلك لا زالت غير مؤكدة، فهو ليس رجلا ثريا، لكن زوجته كارلا بروني ساركوزي لديها ثروة معتبرة من عائلتها الإيطالية ومهنتها كعارضة أزياء ومغنية "بوب". وكان رئيس الاتحاد من أجل حركة شعبية، جان فرنسوا كوبيه، قال أخيرا إنه يأمل التفاوض على "إعادة تجديد القرض بعد استحقاقه".
كما ستكون للحكم الصادر أخيرا تداعيات بعيدة المدى على آمال ساركوزي في العودة إلى الساحة السياسية، وإن كان ساركوزي ينفي إي إشارة إلى أن ظهوره يأتي في هذا السياق، حيث قال أخيرا: "عندما أتولى التحدث السياسي مجددا، فإن الأمر سيكون للتحدث إلى الشعب الفرنسي، وليس التحدث عني أو عنا بل عنهم".
لكن شعبيته بين الفرنسيين لا تحمل بشائر لمستقبله السياسي. فقد وجد استطلاع للرأي نشرت نتائجه في "جورنال دو ديمانش" أن 59% من أولئك الذين تم استطلاع آرائهم لا يرغبون في خوض الرئيس السابق المنافسة في عام 2017، باعتباره شخصية استقطابية ومتهورة، وهو كان يعرف أيضا "بالرئيس المفرط الحركة".
لكن في ظل وجود حزبه من يمين الوسط في حالة فوضى وارتباك، كان ساركوزي يحقق نجاحا في استطلاعات الرأي، مما عزز التكهنات بأنه يزمع العودة إلى الواجهة السياسية للمنافسة في الانتخابات الرئاسية عام 2017. فهل سيفلح في ذلك؟
رجل منهك
أكد المجلس الدستوري الذي يمثل الهيئة الدستورية العليا في فرنسا أن اللجنة المالية للانتخابات كانت على "حق في رفض محاسبة الحملة الانتخابية" لساركوزي ضد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أخيرا، والتي قالت إنها تجاوزت الحد الأقصى القانوني البالغ 22.5 مليون يورو بمقدار 466118 يورو. وهناك حدود قانونية صارمة في فرنسا حول المبالغ التي يمكن للأشخاص أو الشركات أن تساهم بها في الحملات السياسية.
بعض منتقدي ساركوزي يطالبونه بدفع كل الديون المتوجبة على حزبه "الاتحاد من أجل حركة شعبية" والبالغة 11 مليون يورو، لكن رئيس الوزراء السابق تحت رئاسة ساركوزي فرنسوا فيون قال إنه على الحزب "تحمل هذه التبعات المالية". وترجح صحيفة "إندبندنت" أن يأخذ ساركوزي الحكم على محمل شخصي، حيث قال أحد مساعديه المقربين، برايس هوتيفو، لصحيفة "لوموند" إنه حكم غير عادل بتاتا، و"يظهر مرة أخرى الاستعداد لخنق شخص منهك".
