تطور جديد تشهده الساحة الفنية في مصر، من خلال تغيير الثقافة الفنية لدى الفنانين والقائمين على الإنتاج الفني، وكذلك الجمهور، خاصة بعد الثورة، وغلبة الطابع الثوري على الفن بشكل عام، فبدا وكأنه تحول جذري في طبيعة الفن المستقل الذي تحول وجهته من على خشبة المسرح إلى "أرصفة الشوارع"، ومن أسعار التذاكر المرتفعة ونظام الحجز المسبق، إلى المجانية والحضور المفتوح إلى الجميع، بهدف تكسير الأسطورة المدعية بأن الفن للأغنياء فقط، وللقضاء على سمة الجمهور المصري الكسول في حضور الحفلات والأحداث الفنية.

"حل بديل" و"الفن ميدان" و"مشروع المريخ".. جميعها مُبادرات فنية شاملة ظهرت وليدة الحالة الفنية الجديدة التي تعتمد على الشارع في المقام الأول، لإقامة العروض الفنية، وكذلك اللامركزية في الفن والابتعاد عن جمهور العاصمة الأوفر حظاً في التعرض للفن من القابعين في أطراف البلاد، خاصة مدن الصعيد، إذ تقوم تلك الفرق بتنظيم حفلاتها مجتمعة بالشوارع والميادين المختلفة، ليس فقط بالقاهرة، ولكن في كافة محافظات مصر.

الفن ميدان

ومن أبرز تلك الفرق، هي مُباردة "الفن ميدان"، والتي تُعد الأكثر نجاحاً إلى الآن، وهي مبادرة تنطلق في السبت الأول من كل شهر بميدان عابدين بوسط القاهرة، وتعتبر من أهم الفعاليات الفنية والثقافية التفاعلية في مصر، ولا تقتصر فعالياتها على القاهرة فقط، بل على بعض المحافظات، بالتزامن مع المكان الرئيس له بعابدين، والذي يشهد مشاركة أبرز نجوم الفن المستقل في مصر، بالإضافة إلى الفنون الأخرى، وإقامة بعض الندوات الثقافية والأدبية والمعارض الفنية.

تقول إحدى الفاعلين بالفن ميدان، مها أحمد: الفن ميدان كان حلماً، وتحقق الآن بعد الثورة، رغم التحديات التي تواجهه في ظل تقاعس الدولة ووزارة الثقافة عن رعايته، إلا أنه استطاع أن يعطي الفرصة لجموع الفنانين، سواء المحترفين أو الهواة، بتنظيم عروضهم بعيداً عن سطوة الإعلام والدولة، واحتكارهما للساحة الفنية.. وأيضاً استطعنا في وقت قصير أن نواجه تلك المنظومة التي ترعى الفن الرسمي والركيك، من خلال الروح الشبابية والثورية للفنانين المشاركين والداعمين للفن ميدان، سواء مادياً أو فنياً".

مشروع المريخ

ومن أبرز المشروعات والمهرجانات الفنية كذلك، هو "مشروع المريخ"، الذي تقول عنه صاحبة فكرته مريم القويسني: الهدف الأساسي من برامج مشروع المريخ، هو خلق جو من المغامرة والتجديد، وفتح المسرح أمام الجمهور العادي ليعبر عن نفسه واكتشاف موهبته، وكذلك ليعبر عن آرائه بكل حرية.. فنحن نؤمن بالحرية المطلقة في التعبير والفن، لذلك نقوم من خلال قوافل المريخ أن نجوب محافظات مصر وضواحيها بشكل شهري، في المنيا وأسوان والإسكندرية، وكذلك في الواحات، فالفن ليس له مكان محدد".

وتضيف قائلة: فكرة "امسك المايك"، وهي فكرة من ضمن أفكار مشروع المريخ، تتيح للجمهور التعبير عما بداخلهم في خمس دقائق، سواء تمثيل أو غناء وستاند أب كوميدي وآراء سياسية، أو حتى خواطر شخصية، وقد يمتد الأمر إلى البكاء والفضفضة، فالهدف في النهاية هو التأكيد على لامركزية الفن، فنحن نقيم حفلات في أماكن شعبية وعشوائية، وكذلك تغيير العلاقة بين الفنان والجمهور، وكسر السلبية في المجتمع".

ومن ناحية أخرى، عبّر القائمون على مهرجان "حل بديل"، المقام في شهر مارس الماضي، والذي فتح الباب أمام المزيد من المبادرات الأخرى لفنون الشوارع، عن ملخص فكرتهم، قائلين في بيان لهم: لا تزل أماكن عرض الفن المستقل محدودة في مدينة عريقة مثل القاهرة، والتي يتعدى عدد سكانها الـ 20 مليون نسمة، وتتباين في تفاعلها مع الجمهور، وكثيراً ما تعتمد على الدعم المالي الذي نتحرر منه.

 

طاقات

يوظف الشباب القائمون على مهرجان "حل بديل" طاقاتهم المهنية والإبداعية، وكذلك أجهزتهم الإلكترونية الشخصية، وعلاقاتهم المهنية والشخصية مع الفنانين والمؤسسات الفنية، للخروج بحدث فني مستقل تماماً، يعتمد بشكل كلي على كوادر المشاركين فيه. لا يتقاضى أي من المشاركين في هذا المهرجان من فنانين أو تقنيين أي أجور، ولا يدفع الجمهور ثمن أي تذاكر لمشاهدة العروض والحفلات والأفلام".