هل هو هاجس اللغة أم مضامين التوجهات العامة للمادة الثقافية والفنية، بسبب تأثر المنطقة بالاستعمار الفرنسي عليها، أو مبادرة حمايتها الثقافية من قبل كنيسة كاثوليكية بعد خضوع المنطقة لاحقاً للاستعمار البريطاني.
أين يكمن سر مقاطعة (كيبك) في كندا أبرز المناطق المصنعة لسوق الدبلجة التلفزيونية والسينمائية وتتويجها ضمن مراكز المناطق الثقافية عالمياً؟ التساؤلات نسجت خيوطها مع إحصائيات سوق الدبلجة التي رصدها الدكتور نصر الدين لعياضي، الأستاذ المشارك بكلية الاتصال بجامعة الشارقة، في كتابه "هواميل الحديث عن الميديا" قائلاً: "قبل 10 سنوات بلغ رقم الأعمال السنوي لصناعة الدبلجة في منطقة (كيبك) بكندا 19 مليون دولار، وزعت على 12 مؤسسة تشغل 700 موظف، منهم 500 ممثل، وبلغ رقم أعمال هذه الصناعة في فرنسا 100 مليون دولار، ووصل عدد الممثلين بهذا البلد 2000 ممثل مدبلج محترف".
معرفة مفقودة
قراءة تجربة مقاطعة "كيبك" من العمق المجتمعي، نموذج للاحتكاك الثقافي، والمرور به يقدم أفقاً لصانع الثقافة العربي من جهة، ويؤسس لقنوات استثمارية في سوق الدبلجة العربية وصناعة الأفلام الوثائقية من جهة أخرى، إضافة إلى دوره في طرح أساليب تطوير محور الدراما التلفزيونية، باعتبارها مصدراً للمفهوم البصري لتفاصيل الهوية المحلية، وأهميته في تقوية التواصل الحضاري.
وجاء تناول موضوع الدبلجة، نتاج القفزة النوعية التي حققتها الدراما التلفزيونية أخيراً مع الإنتاج التركي إلى الدبلجة العربية، وإمكانية تطبيق هذا التوجه بمنهج احترافي يحتمل توازي المضمون الثقافي إلى جانب التجاري، الذي يحضر في الدول المتقدمة، ما يساهم في دفع عجلة الإنتاج السينمائي والتلفزيوني في صياغة المعرفة المفقودة في بنية الذهنية العربية.
دائما البحث في المنجزات الثقافية لبلد ما، يكمن في الإجابة عن تحدياتها. مقاطعة "كيبك" شكلت مستعمرة فرنسية منذ عام 1534 إلى 1763، مما أصل جدلاً نوعياً للغة الفرنسية وتأثيرها في مقاطعة مرتبطة بكندا، حيث يقطن بها ناطقون بالفرنسية، وبين لعياضي في دراسته أنه من النادر أن يسوق ما هو مدبلج في "كيبك" خارج كندا، وأنه لم يثن مقاطعة كيبك أبداً عن الاستمرار في دبلجة المادة السمعية والبصرية إلى اللغة الفرنسية، والسبب يعود إلى الخشية من ذوبان الأقلية الناطقة بالفرنسية وسط الناطقين باللغة الإنجليزية.
المواجهة بالثقافة
في عام 2002 شهدت منطقة مونتريال في مقاطعة "كيبك" تتويج الممثل الفرنسي جيرار دوبارديو، بوسام الاستحقاق الوطني، تقديرا لمساهمته في تطور السينما الفرنكوفونية، أكد وقتها رئيس وزراء مقاطعة كيبيك الكندية برنار لاندري في كلمة بالمناسبة نشرتها الصحف أن التقدير جاء نتاج التزام الممثل الفرنسي بالفرادة الثقافية، وهي "معركة تخوضها حكومة كيبك"، هنا توضيح لرؤية ثقافية واضحة الملامح، تقودها أقلية آمنت بالفكر والمعرفة الفنية صراعاً لتحقيق ذاتها وهويتها.
