تفاجئنا ساحة الإخراج السينمائي بأسماء جديدة بين يوم وآخر، وبتجارب سينمائية وأفلام قصيرة وطويلة تحصد الجوائز في المهرجانات، لكن تكاد تخلو ساحة الإخراج الدرامي من الأسماء الإماراتية إلا من بعض التجارب التي لم تستمر، أو التي أدار لها أصحابها ظهورهم، أو تحسر عليها بعضهم الآخر، أو ممن اكتووا بنار الدراما فالتصقوا بالسينما، وفي مجال البحث عن مخرج إماراتي درامي يكون الحال كمن يبحث عن إبرةٍ في كومة قش، رغم أن للإخراج عشاقه، ورغم أن الإمارات أصبحت دولة إنتاج درامي من الدرجة الأولى.
تحدثنا مع عدد من المخرجين السينمائيين حول اتجاههم للسينما وإهمالهم للدراما، ويبدو أن الحديث في هذا الموضوع أثار مواجع كثيرة، وأججها في نفوس بعضهم ممن عانوا من الحصول على فرصة في مجال الدراما.
دوائر إنتاج
من خلال حديثنا مع المخرج السينمائي هاني الشيباني، لمسنا حرقة في حديثه، وتعرفنا على سببها، إذ يؤكد بأن المخرج الإماراتي يبحث عن فرصة لا تشغل نفسها به أبداً، مشيراً إلى أن السبب في ذلك يعود إلى جهات الإنتاج والمؤسسات الإعلامية المحلية، ويقول: جهات الإنتاج متمثلة في المنتجين المحليين والمحطات التلفزيونية لم تمنحنا الثقة، وليست على استعداد لإعطائنا الفرصة في هذا المجال، وإن أعطتنا الفرصة فغالباً ما تكون مبتورة.
ويشير الشيباني أنه قد تم الاتفاق معه في إحدى السنوات السابقة على إخراج عمل درامي لصالح إحدى القنوات المحلية، إلا أن القناة اشترطت على جهة الإنتاج الاستعانة باسم مخرج آخر، ويقول: لا أعرف السبب في طلب القناة باستبدالي بمخرج آخر، رغم أني أمتلك أدواتي في الإخراج، وتشهد على ذلك شهاداتي العلمية المتخصصة في هذا المجال، والدورات التدريبية الكثيرة والمتنوعة التي التحقت بها، والجوائز التي حصدتها أعمالي، والبرامج والسهرات الدرامية التي أخرجتها سابقاً، وتجاربي المختلفة التي خضتها، ولذا أطالب المسؤولين والقيادات الداعمة للدراما بأن ينظروا في أمرنا، ونؤكد لهم بأننا على قدر المسؤولية، وبأننا قادرون على أن نعكس الروح الإماراتية في أعمالنا بأفضل صورة، إذ تعاني أغلب المسلسلات المحلية من عدم ارتباطها أو عكسها للبيئة الإماراتية بشكل صحيح وذلك لارتباطها بأسماء لا تنتمي لهذه البيئة. ويشير الشيباني أنه ليس الوحيد الذي يعاني من هذه المشكلة، وهذا سبب إخلاصه وغيره للسينما التي تحتضنهم وتبادلهم الوفاء.
استسهال أمور
ورغم خوض المخرج السينمائي عبدالله حسن أحمد لمجال الإخراج الدرامي العام الماضي في مسلسل "بنات الجامعة"، إلا أن الدراما لم تعد تشغله أو تجذبه نحوها، وعن ذلك يقول: كنت أشعر برغبة في أن أجرب هذا المجال، وللأسف فقد قبلت التجربة على ضعفها، إذ كان نص "بنات الجامعة" ضعيفاً ولم يكن هناك مجال لأن أضع بصمتي أو رؤيتي الإخراجية في العمل، وبصراحة لم نتمكن من خلق دراما قوية فيه، وأرى بأن قدومي من السينما إلى الدراما لم يكن فيه أي فائدة، ولم يضف لي أي جديد.
ويلقي عبدالله حسن باللوم في عدم وجود مخرجي دراما إماراتيين على المنتجين الذين يستسهلون الأمور ولا يبحثون عن القيمة بقدر ما يبحثون عن الأرباح، ويقول: الجهة المنتجة سواء كانت شركة إنتاج أو مؤسسة إعلامية هي المتحكم في اختيار الأسماء وتوزيع الأدوار، وبالنسبة لجهات الإنتاج الموجودة لدينا فلا يهمها أن تبني أساساً درامياً قوياً يعتمد على الأسماء المحلية، كما أن المؤسسات الإعلامية المحلية لا تحمل هم الدراما، وتكتفي بعدد من الأسماء المعروفة والمستهلكة في هذا المجال، وبصراحة فقد طرقت أكثر من باب لعرض عمل درامي كامل المواصفات، ولكن لم يتم قبوله. ويوجه عبدالله رسالة للمؤسسات الإعلامية يطالبها بضرورة تفعيل قسم الدراما فيها بما يناسب متطلبات السوق المحلي وبما يعطي المخرج الإماراتي المجال لتقديم رؤية إبداعية متميزة.
مسألة تفرغ
علاقة من نوع خاص تربط المخرج السينمائي أحمد زين بالسينما، فبصمته أصبحت واضحة في هذا المجال، وعن تمسكه بالسينما وابتعاده عن الدراما يقول: لا أستطيع التفرغ لإخراج مسلسل قد يستمر العمل عليه فترة طويلة، فالمسلسلات بحلقاتها الكثيرة تحتاج لمدة شهرين ما بين تصوير وإخراج ومونتاج، وأنا أولاً وأخيراً مرتبط بوظيفة، وأحاول الموازنة بين وظيفتي وشغفي في مجال الإخراج، ولذا فالسينما هي الأنسب لي في الفترة الحالية.
ويؤكد زين أن الإخراج السينمائي يعتبر أصعب من الدرامي، ويقول: تحتاج السينما إلى زوايا دقيقة في التصوير، كما تستدعي تركيزاً أكبر ومهارة وخبرة أعمق في التعامل مع تفاصيلها، وبرأيي أن المخرج السينمائي المتمكن من أدواته يستطيع أن يبدع في مجال الدراما. ويشير زين إلى أنه يتمنى أن يخرج عملاً درامياً وخصوصاً لرمضان، لما تحصده هذه المسلسلات من جماهيرية.
قضايا مفتوحة
يعترف محمد المري، مخرج سينمائي، بأنه لا يجد نفسه بالدراما، وأن السينما هي العالم الذي يستطيع أن يعطي فيه من جميع النواحي.
ويقول: تجذبني السينما بكل ما فيها، فتقنياتها وزوايا تصوير أعمالها تختلف عن الدراما.
كما أن القصص والقضايا التي تطرحها مفتوحة ويمكن التعبير عنها بحرية أكبر من الدراما، وهذه الحرية تجعلني أتنفس وأبدع.
ويشير المري إلى أن "الشللية" انتشرت في مجال الدراما، وأصبحت الأسماء معروفة فيها، ما جعل المجال للأسماء الجديدة محدوداً جداً.




