يعود الشاعر التشيلي بابلو نيرودا إلى النور مجدداً، ولكن ليس من خلال طبعة جديدة من أحد أعماله الرومانسية، أو عمل سينمائي يسلط الضوء على حياته الحافلة، وإنما من خلال أمر أصدره أحد القضاة التشيليين بتعقب عميل المخابرات المركزيةالأميركية (سي آي إيه)، المتهم بتسميم "أعظم شعراء القرن العشرين".
وذكرت صحيفة "إندبندنت" البريطانية، في تقرير نشرته أخيرا، أن البحث جار عن المشتبه به في اغتيال نيرودا، الذي يعتبر من أكثر شعراء أميركا الجنوبية شهرة، بعد أربعة عقود من وفاته، التي كانت قد نسبت إلى مرض السرطان. وتوفي نيرودا، الذي حاز جائزة نوبل واشتهر بأعماله الرومانسية، في 23 سبتمبر 1973، بعد ما قيل إنه صراع مع سرطان البروستاتا. والآن، يؤكد أحد المدعين العامين في تشيلي أنه قتل بناء على أوامر من الدكتاتور التشيلي الجنرال أوغستو بينوشيه.
وكان نيرودا عضواً في الحزب الشيوعي، كما كان سياسياً ودبلوماسياً في عهد الرئيس التشيلي الأسبق سلفادور ألليندي. وجاءت وفاته عن عمر يناهز الـ69 عاماً، بعد 12 يوماً من وصول بينوشيه إلى السلطة في انقلاب عسكري. وفي الآونة الأخيرة، برزت أنباء مثيرة مفادها أن رفات الشاعر التشيلي سوف تستخرج من حديقة منزله الشاطئي المطل على المحيط الهادئ، نتيجة لاشتباه متزايد بأنه مات مسموماً. وتشير التقارير إلى أنه اغتيل في إحدى العيادات أثناء خضوعه للعلاج من السرطان.
وأصدر أحد القضاة، أخيرا، أمرا للشرطة التشيلية بتعقب الرجل الذي يزعم المدعي العام أنه سمم نيرودا. وقال المحامي إدواردو كونتريراس إن أدلة جديدة ظهرت بالإضافة إلى أقوال سائق الشاعر، الذي أفاد أن نظام بينوشيه "أسكت" نيرودا. وقال كونتريراس إن الطبيب الذي شهد بأنه كان مع نيرودا وقت وفاته غير روايته.
يزعم الدكتور سيرجيو درابر الآن أن طبيبا يدعى "برايس" كان مع نيرودا. ولا يوجد ذكر لطبيب يدعى برايس في أي من سجلات المستشفى، وقال درابر إنه لم ير ذلك الرجل مجددا بعد تركه مع نيرودا.
ويعتقد المدعي العام أنه بصرف النظر عن هوية ذلك الرجل، فإن "الحقيقة المهمة هي أنه هو من أمر بالحقنة" التي يحتمل أن تكون قد قتلت نيرودا. وأدخل مايكل تاونلي، الذي كان عميلا مزدوجا لكل من وكالة الاستخبارات المركزية والشرطة السرية التشيلية في عهد بينوشيه، في برنامج حماية الشهود بعد اعترافه بقتل منتقدي الدكتاتور التشيلي في واشنطن وبوينس أيريس. ولا تزال جثة نيرودا قيد التحليل من قبل علماء الطب الشرعي لاكتشاف ما إذا كان هناك دليل على جريمة قتل.
وقال باتريسيو بوستوس ستريتر، مدير الخدمات الطبية القانونية في تشيلي، ومنسق فريق الطب الشرعي: "من شأن انتشار سرطان البروستاتا إلى العظام أن يؤكد بلوغ المرض حالة متقدمة. ومن ناحية أخرى، فإنه يمكن العثور على آثار من المواد السامة في الجزء الاسفنجي من العظمة التي تحتوي على نخاع العظام ". وأضاف إن المشكلة هي عدم وجود سجلات طبية تقدم تفاصيل عن العقاقير التي كان يتناولها نيرودا لتمييزها عن أية مواد سامة محتملة. وتابع: "غير أننا لدينا ميزة أن العديد من تقنيات إخفاء المواد السامة في الجسم لم تكن موجودة قبل أربعة عقود".
إصرار وتعاون
دفن الشاعر التشيلي بابلو نيرودا بجوار زوجته ماتيلد أوروتيا في حديقة منزلهما "إيسلا نيغرا". وكانت زوجته، التي توفيت عام 1985، قد ذكرت أن نيرودا لم يمت بالسرطان، إلا أنها لم تصل إلى حد القول إنه اغتيل. ويصر أفراد عائلة الشاعر الذين ما زالوا على قيد الحياة على أن المرض هو الذي قتله، ولكنهم يتعاونون مع التحقيق الجاري حالياً.

