أثار كتاب جديد عن سيرة حياة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال نشأتها في ألمانيا الشرقية الاهتمام أخيراً بإشارته إلى أنها كانت أقرب إلى النظام القائم وأيديولوجيته الشيوعية مما كان يعتقد سابقاً، وهو الأمر الذي دفع المتحدث الرسمي باسمها إلى إنكار إخفائها أي شيء على هذا الصعيد.
وتابعت مجلة "دير شبيغل" الألمانية هذه السيرة في تقرير نشرته أخيراً، بالتركيز على محطات مثيرة للالتباس في حياة ميركل، لا سيما عملها في المنظمة الشبابية في ألمانيا الشرقية، ورؤيتها للتطورات السياسية ولموضوع الوحدة الألمانية، بالإضافة إلى اتصالها بمجموعات إصلاح في ألمانيا الشرقية قبل أشهر من سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989، وصعودها السياسي لاحقاً.
وعلى ما يبدو كانت ميركل ضمن فريق أمناء "التحريض والدعاية" في المنظمة الشبابية في أكاديمية العلوم في برلين الشرقية.
حيث كانت فيزيائية متدربة خلال الفترة 1978-1989، بحسب الكتاب الصادر بعنوان "الحياة الأولى لأنغيلا ميركل" من تأليف الصحافيين غونثر لاخمان ورالف جورج روث. وكانت ميركل قد أشارت إلى أن دورها في المنظمة الشبابية كان ضمن الأمانة الثقافية، وأن المهام المنوطة بها كانت تشمل شراء تذاكر المسرح وتنظيم قراءة الكتب.
تباين في الأقوال
لكن وزير النقل الألماني السابق غونثر كراوس، يناقضها في الكتاب، ويقول إنها كان تنشر الأفكار الماركسية- اللينينية، وهو الذي عمل معها في الأشهر الأخيرة من جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وكان وزيراً زميلاً لها في حكومة المستشار السابق هلموت كول في أوائل التسعينات.
ويؤكد غونثر أن: "مجموعة التحريض والدعاية كان المقصود منها ملء عقول الناس بكل ما كان يفترض أنك تعتقد به في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وما يزعجني بتلك المرأة هو واقع أنها لا تعترف بقربها من النظام في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. من الناحية العلمية لم تكن أساسية في أكاديمية العلوم، لكنها كانت مفيدة لهم كابنة قسيس".
وميركل قالت إنها لا تخفي شيئاً عن ماضيها وأضافت: "لا يمكنني إلا الاعتماد على ذاكرتي، فإذا ما تبين أن هناك أمراً مختلفاً، يمكنني التعايش مع هذا الأمر". والمتحدث باسمها قال إن المستشارة كانت تدلي بتصريحات حول حياتها في جمهورية ألمانيا الشرقية في الكتب والمقابلات على امتداد سنوات، ولطالما أجابت عن الأسئلة بانفتاح وبناء على ذكرياتها بأمانة.
والكتاب يشير أيضاً إلى أن ميركل، التي تتحدث الروسية جيداً، كانت مطلعة على كتاب "البريسترويكا" للرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف وخطاباته من صحيفة الحزب الشيوعي الـ "برافدا"، وقامت بالاتصال بمجموعات تدعو إلى الإصلاح في ألمانيا الشرقية قبل أشهر من سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989.
التصور المختلف
كما ناقشت ووالدها واخوها ماركوس التطورات السياسية مع عدد من الناس في سبتمبر 1989. واستناداً إلى الكتاب، فإن نظرة الثلاثة إلى التطورات كانت أن وحدة ألمانيا بعيدة عن التصور، ليس لأن عملية التوحيد لم تكن تلائم عالماً ثنائي القطبية فحسب، بل أيضاً لرفضهم بحزم نظام المجتمع الغربي. وتأكيداً على ذلك، تقتطف السيرة قول ميركل آنذاك: "إذا اصلحنا جمهورية ألمانيا الشرقية، فإن هذا الإصلاح لن يكون بناء على الجمهورية الفيدرالية".
وصعود ميركل السياسي موثق بشكل جيد بعد ذلك التاريخ، حيث انضمت إلى حركة المعارضة السياسية "اليقظة الديمقراطية" في ديسمبر 1989، وأصبحت نائبة المتحدث الرسمي باسم الحكومة الانتقالية المنتخبة ديمقراطياً في ألمانيا الشرقية بعد انتخابات مايو 1990، بعدها في التسعينات انضمت في خطوة مفاجئة نظراً لميولها السياسية السابقة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ. وهلموت كول جعلها وزيرة الشؤون العائلية في حكومته بعد الانتخابات الألمانية عام 1990، والباقي بات معروفاً.
وبينما تكتب مجلة "فوكس" الإخبارية التي نشرت مقتطفات من الكتاب أن: "أنغيلا ميركل وحدها يمكنها الإجابة كم من حياتها السابقة ما زال داخلها"، ينتقد الصحافي ستيفان بيرغ من "دير شبيغل" الكتاب الذي يرى فيه تلميحاً إلى وجود قوى سرية ساعدت ميركل في دربها السياسي" يقول:
"أولئك الذين عاشوا في جمهورية ألمانيا الديمقراطية يذكرون أن كل شيء كان في فوضى في خريف 1989، عندما انتهت مهن وافسح المجال لمهن جديدة، كثير منها عن طريق الصدفة وبشكل مفاجئ وغير متعمد".
قد يكون ماضيها قد ساهم في الالتباس الذي يحيط بها. يقول عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر الذي ترعرع في ألمانيا الشرقية ورنر شولز: "السرية التي تحيط بها هي، حسب اعتقادي، إرث جمهورية ألمانيا الشرقية. ففي تلك الأوقات، كان عليك الحذر في الجهر بآرائك من دون التفكير أولاً، وحتى اليوم لا يعلم عدد من الناس بما تفكر به حقاً".
