من خلال اطلاعي شبه اليومي على النتاج الفني العربي وباقات الأذواق المختلفة في الصور واللوحات وأغلب المنتجات البصرية للمبدع العربي لاحظتُ قلة عدد المصوّرين الذين ينهجون منهجاً واضحاً يقودهم لهويةٍ فنيةٍ محددة. التصوير ليس عملية إنتاجٍ لمجموعةٍ كبيرة من الصور ذات الألوان "الجميلة" ونشرها على أوسع نطاق ! التصوير فنٌ حقيقي راق مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالفكر المتبحّر والثقافة المتنوّعة والاطلاع الدائم، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة النضج الفني التي ترتبط بتشكّل الهوية الفنية الخاصة للمبدع.

المصوّر المتميّز يمضي عدة سنواتٍ ربما في التقاط آلاف الصور لمئات العناصر المختلفة ويختبر قدراته في إبراز التكوينات المختلفة فيها وتطوير طرقه وأساليبه في التصوير، لكن ذلك يجب ألا يدوم!

المصوّر المحترف يستنبط من خلال سنواته الأولى في عالم التصوير خطوط تفكيرٍ فنيّ خاصة في ذاته وفي تصوّره البصري تتيح له مجالاتٍ محدّدة للتركيز والتعمّق فيها.

ولا أقصد بذلك أن ينكبّ على تصوير عناصر خاصة فقط واعتزال تصوير أي عناصر أخرى، بل التركيز على هويةٍ بصريةٍ يتناغم معها ويشعر بطاقاته الإبداعية فيها أكثر من غيرها. هنا تصبح الهوية مادة بحثية بالنسبة له ليس فقط من ناحية علاقة الكاميرا بها بل على آفاقٍ أوسع وأكثر رحابة.

الانغماس في هويةٍ فنيةٍ محددة يضع صاحبها في متعةٍ فنيةٍ لا تُوصف، حيث يجد جميع ما يخصّ هويته محبّباً إلى قلبه مُشعلاً لحماسته ومفجّراً لطاقاته الكامنة وخيالاته الخصبة.

كما يصبحُ قارئاً نهماً في مواضيع تخص هويته وربما يعتاد السفر لمناطق معيّنة لمتابعة الظواهر والعناصر المتعلّقة بتلك الهوية. هنا تصبحُ الهوية محوراً فكرياً ومعرفياً وليس بصرياً فقط! حيثُ يسعى المصوّر المحترف لتقديم إضافةٍ نوعية في مشاريعه الفنية لموضوع هويته التي اختارها واختارته.

نجده ملمّاً بالبيانات والإحصاءات والأخبار والأحداث والأشخاص الذين يقعون داخل دائرة الهوية المختارة، عدة دوائر للتركيز تحوم حوله وتلهمه عشرات الأفكار يومياً لذا تجده في حالة نشاطٍ ذهنيّ دائمة ونلاحظ تطوّراً نوعياً في نتاجه الفني.

ومن الطبيعي أن يلمع نجمه في الساحات الفنية ونجده مُحاضِراً هنا وأستاذاً هناك وربما أسالت هويته الفنية حبر قلمه للتعبير عن الحالة الفنية التي يعيشها. هذه المرحلة التي نطمحُ أن يضعها المصوّر العربي نُصب عينيه ويخطّط لها بجدية ليكون فناناً متكاملاً لديه الذخيرة المطلوبة لوضع بصماتٍ جماليةٍ أخّاذة تحمل اسمه.