هل تذكرون فيلم "حكاية كيو جو" للمخرج الصيني الكبير تسانغ ييمو؟
في ذلك الفيلم تسعى الفلاحة البسيطة كيو جو من سكنة الريف الصيني القصي (وأدت الدور ببراعة رائعة زوجة تسانغ ييمو السابقة، النجمة الحسناء غونغ لي)، إلى الحصول على حق زوجها الذي تعرّض إلى الضرب من قبل المسؤول الحزبي في القرية، ما أفقده قدراته الجنسية. كيو جو لا تسعى إلى الاقتصاص من المسؤول الحزبي، بل إلى إحقاق الحق، وأن يعترف المسؤول أمام القرية بأسرها بكونه المسؤول على إلحاق الإعاقة بزوجها.
في فيلم "لمسة خطيئة" للصيني جيا جانغ- كي، تعود هذه القصة لتفتتح الشريط المكّون من خمسة أجزاء، تروي قصة العنف الذي يسود في الصين اليوم. يسعى مراقب العمّال البسيط "داهاي" إلى إيصال شكواه ضد مسؤول القرية إلى الجهات العليا في الحزب لحيف اقترفه ضدّه، لكن محاولاته تبوء بالفشل، ما يدفعه إلى استحصال حقوقه بيديه، مقبلاً على مجزرة تنتهي بابتسامة ارتياح غامضة، تنطبع على وجههه الملطّخ بدماء ضحاياه، ومن بينهم مسؤول القرية، والذين حصدهم ببندقية صيد.
وبصرف النظر عن التطابق بين القصة الأولى وحكاية يو جو، فإن جيا جانغ- كي، يبدو في هذا الجزء، والفيلم، بعيداً للغاية عن أصالة فيلم تسانغ ييمو، أو حتى أعماله هو نفسه، وبالذات "still life" الذي أنجزه في عام 2006، وفاز به جائزة (الأسد الذهبي) في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، و"City 24" الذي شارك في مسابقة الدورة الحادية والستين من مهرجان "كان" السينمائي الدولي في عام 2008.
وما يثير الانتباه، هو ظهور هذا الكم الهائل من العنف، الذي يبدو مجّانياً في بعض الحالات، في عمل لحيا انغ- كي، قياساً إلى أعماله السابقة، ويُثير هذا الأمر التساؤل تزامن بروز هذا العنف في الفيلم، مع اشتراك المخرج الياباني تاكيشي كيتانو، المعروف باستخدام المتواصل للعنف، فقد يكون لـ "Office Kitano" المشارك في إنتاج الفيلم، دور في زيادة كمّ العنف الذي برز في الفيلم.
الأب والوالد
وليس غريباً أن يعمد المخرج الياباني الشهير كوري - إيدا هيروكازو، أن يُطلق فيلمه منذ الوهلة الأولى بصوت الطفل كييتا، ذي السنوات الست، وهو يجيب، دون أن نراه، وبشكل حبيب إلى القلب، عن أسئلة، وما إن تراه، لا تتمكّن إلاّ أن تُحبّه، كأي طفل.
وبعد يوم عمل طويل يعود المصمّم الشاب ريوتا إلى منزله، ويُستقبل في المنزل من قبل الزوجة وكييتا بحرارة وحفاوة احتفالية، ولتُخبره زوجته الشابة بعد العشاء، أن موظفين من المستشفى الذي ولد فيه ابنهما، "اتّصلوا، ويرغبون في الحديث معنا".
وكما لم تستقبل هي المكالمة الهاتفية بارتياح، يشعر ريوتا أيضاً بالقلق، لأن الأمر يتعلّق بابنه، لكن عندما يتواجهان مع موظفي المستشفى، تهبط الصاعقة، لأنهما يكتشفان أمام حقيقة مُرّة، وهي أن الممرّضة التي كانت تعمل في ردهة الولادة ليلة ميلاد كييتا، غيّرت الطفل مع طفل آخر كان ينام إلى جواره في حاضنة أخرى، ما يعني، أن كييتا، ليس في الواقع ابنهما الحقيقي، بل ابن لعائلة أخرى، ربّت ابنهما الوليد، الذي يحمل الآن اسم ريوسي.
وتتيح فحوصات الحمض النووي التأكد من حقيقة الاعترافات التي تُدلي بها الممرّضة أمام المحكمة، ما يعني واحداً من حلين، إما أن يبقى الوضع على حاله، وهو مستحيل في ذهن العائلتين، وبالذات الوالدتين، أو أن تعيد كل عائلة الابن الحقيقي إلى الأخرى! لكن كيف لك أن تتخلى عن الابن الذي الذي عاش معك منذ ولادته وحتى سن السادسة، وكيف بإمكانك التخلّي عن الابن الذي خرج من صلبك، بعد أن اكتشفت الحقيقة؟.
هذان هما السؤالان اللذان يطرحهما كوري - إيدا هيروكازو، ولا يتردّد في الإجابة عنهما بعد أن جزّأهما إلى عشرات التفصيلات، وينتهي به الوضع في استعارة الحل الذي وضعه بيرتولد بريخت في "دائرة الطباشير القوقازية".
هدير هامس
تحتل العائلة، كما كان الوضع في دورة العام الماضي، وفي الكثير من دورات المهرجان، مركز أحداث الكثير من الأفلام التي عُرضت حتى الآن في المهرجان، فبعد العاصفة التي تضرب عائلة الشاب "هيلي" في الفيلم الذي يحمل اسمه، من إخراج المكسيكي الشاب آمات إيسكالانتي، والتوتر العائلي الكبير الذي تعيشه عائلة الطليقين أحمد وآن ماري في شريط الإيراني أصغر فرهادي"الماضي"، ها هي عائلة المصمّم الشاب ريوتا، تدخل في دوّامة يندر مثيلها، تُعيد إلى الأذهان رائعة بيرتولد بريخت" دائرة الطباشير القوقازية" وتعيد، تلك الدوّامة، إلى الواجهة مفاهيم الأبوّة والأمومة، وتعيد الاعتبار إلى قيمة التنشئة والحياة المعاشة للطفل في عائلته، بصرف النظر عن كونه ابناً تجري في عروقه نفس دماء الأبوين اللذين يعيش في كنفهما.
وباستثناء طوله، الذي كان يمكن ابتساره ببضع دقائق، فإن هيروكازو أنجز عملاً جميلاً، مشدوداً بتوتّر عالٍ، كان سيقود إلى ثورة وهياج كبيرين في أي وضع آخر، إلا أن المخرج تعامل مع الوضع، كما وأنه أمام جبل هائل يغلي في داخله بركان هائج، فيما سطحه مغطى أشجار وارفة الأغصان.
ويقدّم المخرج في هذا الفيلم تحية عظيمة إلى الأم، وإلى المرأة بشكل عام، وما أعذب المشهد الذي نشاهد فيه الوالدتين وهما تراقبان الحبور الكبير الذي يسم صيحات ولعب الأطفال الأربعة كييتا والطفل الآخر ريوسي، وشقيقيه الآخرين.
ثمة تكراراً في هذا المشهد لتمسيدة أم ريوسي على ظهر أم كييتا، تشبه بالذات تمسيدة أمها حين تنهار في لحظة سماع خبر استبدال الطفلين في المستشفى.
