برامج حوارية، أدواتها الشتائم والألفاظ النابية، والاتهامات والاشتباكات بالأيدي، وتبادل الضرب بالكراسي والتراشق بالماء والأحذية، ووسائلها الاستفزازات المتكررة، والمحاولات الواضحة لإثارة كل طرف ضد الآخر، أبطالها إعلاميون وقنوات، وضيوفها نواب ووزراء وخبراء في مختلف المجالات، وشعارها" الاختلاف في الرأي يفسد للود كل قضية"، ومكانها الشاشات الفضائية التي تخلت عن دورها في رفع فكر وذائقة الجمهور، والمتهم إعلام تنصل من دوره في الارتقاء بالمشاهد.

كل هذا على الهواء مباشرةً، في عرضٍ حي لقضايا مختلفة، طرِحت للنقاش على طاولات لا تعترف بالأخلاقيات المهنية، فكانت النتيجة حوارات عقيمة، وحلقات مبتورة.

 فهل هذا هو الإعلام الحقيقي الذي ينتظره المشاهد، ومن المسؤول عن الحال الذي وصلت إليه مثل هذه البرامج. إجابات ذلك في التحقيق التالي :

ضجة إعلامية

" هناك استفزاز راقٍ ومحترم، وآخر وقح"، هذا ما أكدته الإعلامية نادية بركات، مشيرة إلى أن بعض المذيعين يسعون جاهدين لاستفزاز ضيوفهم بغرض الحصول على انفعالات معينة تُحدث ضجة إعلامية، في سبيل زيادة نسب المشاهدة، وقالت: أنا مع الحرية والجرأة في مناقشة القضايا الساخنة ذات الخطوط الحمراء ولكن بعيداً عن الوقاحة، فالحرية لا تعني إهانة الآخر وتقديمه للجمهور بصورة سيئة، كما أنه يجب احترام ضيوف البرنامج وتقديمهم بأفضل صورة.

وذكرت أن بعض البرامج التي اعتادت الاستفزاز لا تعترف بالحلقات التي تخلو من الشتائم و"الأكشن".

وألقت بركات باللوم على إدارات القنوات وقالت: هي المسؤولة عن الحال الذي وصل إليه الإعلام اليوم، كما أعتبر المذيع شريكاً في المسؤولية، وليت القنوات تركز على إعلامٍ هادفٍ بعيداً عن الأرباح المادية.

أصابع الاتهام

أشارت د. حصة لوتاه، أستاذة مساعدة في قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات، بأصابع الاتهام إلى إدارات القنوات التي تعرض برامج حوارية تخلو من اللياقة، وتكرس صورة سيئة وسلبية عن المجتمع العربي، وقالت: تُظهر هذه البرامج المواطن العربي بأنه إنسان لا يحسن الحوار، فرغم الاعتقاد السائد بأن الإعلام يعكس الواقع، إلا أن الواقع ليس كله كما يظهره الإعلام.

وأكدت أن هدف القنوات من هذه البرامج هو تحقيق أرباح مادية ونسب مشاهدة عالية، وقالت: هناك ضحالة في وعي كثير من المذيعين، وهؤلاء شركاء للقنوات في تدني حال الإعلام، ومن الضروري أن يمتلك المذيع الذكاء الذي يمكنه من تقديم نفسه والآخرين بأرقى صورة.

وعبرت لوتاه عن أمنيتها في أن يكون الإعلام القاطرة التي تجر باقي القطاعات نحو مستقبل أفضل، وأن يتم التعامل معه كغيره من المشروعات التنموية، بحيث يكون له خطة واضحة تسير وفق دراسات متعمقة وأساليب قياس حديثة.

د. محمد عايش، أستاذ الإعلام في الجامعة الأميركية في الشارقة، عبر عن أسفه للانحدار الكبير في مستويات الحوار في بعض القنوات الفضائية، وعن أسباب ذلك قال: الأسباب متنوعة أهمها غياب المعايير المهنية والأخلاقية التي تنظم عملية الحوار والنقاش على الهواء بين الأطراف المتحاورة، ما سمح بتفشي الإثارة والصخب والضجيج، وهو ما أفقد تلك البرامج المعنى الحقيقي من وجودها بأن تكون منابر للحوار العقلاني.

وذكر عايش أن سبب هذه المشكلة أيضا يكمن في ظن بعض مقدمي البرامج خطأ أن الإثارة هي التي تجذب المشاهدين، وتحقق التنافسية في البرامج التلفزيونية، متغاضين عن كون الجمهور يمتلك درجة عالية من الوعي، ويستطيع تقييم البرامج الحوارية حسب مستوى مصداقيتها.

وأشار إلى أن هناك حاجة لمعايير أخلاقية ومهنية رفيعة يجب تطبيقها في بيئة العمل الإعلامي التلفزيوني، ومن الضروري أن تلتزم بها القنوات الفضائية من أجل تحقيق فضاء إعلامي نظيف وهادف.

منظومة متكاملة

عما إذا كانت إدارات القنوات هي المسؤول الأول عن الحال الذي وصلت إليه تلك البرامج قال خليفة حمد أبو شهاب، مدير قناة "سما دبي" : هي منظومة متكاملة تبدأ من إدارة القناة مروراً بفريق الإعداد ووصولاً إلى المذيع، فمثل تلك البرامج تتعمد إثارة الصخب والفوضى والنعرات والفتن، والدليل على ذلك تكرار هذه المشاهد في أغلب الحلقات، والهدف رفع نسبة المشاهدة للحصول بالتالي على إعلانات.

وذكر أبو شهاب أن لكل قناة توجهها الخاص، وأن بعض القنوات تتعمد اختيار ضيوف يختلفون تماماً في توجههاتهم وأفكارهم، ما يؤدي بالتالي إلى الاختلاف الفوري والتصرفات غير اللائقة التي تظهر على الشاشة.

وأكد على أهمية احترام المشاهد من خلال تقديم إعلام واعٍ يخلو من الاستفزاز، ويقدم في الوقت ذاته الرأي والرأي الآخر بشفافية.