للسياسيين وجه آخر لا يكشفونه أمام الناس إلا في المناسبات الخاصة، وهذا هو حال المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي تبدو في معظم الأحيان كماكينة بيروقراطية باردة ومتحفظة، إلا أنها في مشاهد غير مألوفة لمرأة تحتل الموقع الأقوى في أوروبا، تتصرف على سجيتها تضحك بملء شدقيها وتبكي ملء عينهيا كاشفة عن بعض جوانب حياتها وشخصيتها.
وفي تقرير نشرته صحيفة "دير شبيغل" الألمانية أخيراً، كشفت عن بعض تلك الجوانب المخفية في شخصية أنغيلا ميركل، والتي تظهرها بمزاج حيوي قلما تبدو فيه. وترى الصحيفة أنها لو أظهرت هذا المزاج بدرجة أكبر لأفرجت أسارير الكثيرين بكبحها الجمود الذي تبدو عليه ألمانيا وافتقارها إلى مستوى أعلى من الأحاسيس في سياساتها حيال أوروبا. وهو الأمر الذي يمكن أن ينطبق أيضاً على مستوى سياستها الخارجية.
ربة البيت
وعلى ما يبدو، فإن ميركل عندما تنهض في الصباح، لا تبدأ يومها بإنقاذ اليورو، ولا تتصرف مثل امرأة تهيمن على الاتحاد الأوروبي، حتى أنها لا تتصرف كامرأة استطاعت أن تنحي جانباً قادة الاتحاد المسيحي الديمقراطي الألماني، بل أنها تنهض في الصباح كربة بيت لتعد لزوجها وجبة الإفطار.
وهذه القصة روتها ميركل خلال سفرها من نيجيريا إلى برلين برفقة الرئيس النيجيري غودلاك جوناثان. وقالت إنها سألت الرئيس النيجيري ما إذا كان يعد الطعام في منزله، وهو ما نفاه قطعياً وهو يضحك مستهجناً الفكرة لكونها لا تليق برجولته أصلاً، فكيف بمنصبه.
لكن ميركل ردت عليه بأنها تحب الطبخ حتى أنها تعد وجبة الإفطار لزوجها. ويبدو أن الرئيس جوناثان استغل صراحة المستشارة الألمانية وحولها إلى رسالة سياسية مطالباً النساء النيجيريات بالحذو حذو ميركل وإعداد الفطور لأزواجهن كل صباح، فيما كان هدف ميركل مخاطبة الرئيس النيجيري كأي إنسان عادي يمكن أن يستمتع بإعداد الطعام.
هالة المنصب
ويصعب تصور ميركل وهي تعد الفطور في الصباح، فيما تتشكل الأفكار في رأسها حول اليورو أو غيرها من القضايا المحلية والدولية. وبوصفها مستشارة ألمانيا، ترافقها باستمرار تلك الهالة التي تحيط بمنصبها، والتي يمكن أن تتفوق على الجانب الإنساني، وهي تحظى بهيئة بيروقراطية باردة ورابطة جأش دوماً، فيما بدلتها وسترة البليزر يضفيان طابع التحفظ الذي تظهره.
وتلك هي الصورة التي تظهرها للعالم أصلاً، لكن هذه الصورة برأي صحيفة "دير شبيغل" دائماً تكون غير مكتملة عند رسم شخصيات القادة السياسيين، فهناك دوماً لحظات تكشف عن جانب آخر يختلف تماماً عن الطريقة التي يتصرفون بها في العلن.
وعندما سئل مستشار مقرب يقضي وقتاً طويلاً مع ميركل إذا ما سبق للمستشارة أن ذرفت دموع الحزن كأي إنسان آخر أجاب: "هناك طيف كامل من أشكال التعبير العاطفية، بما في ذلك الدموع".
لكن هل لهذا الأمر أهمية؟ ويبقى التساؤل مطروحاً دوماً حول مدى أهمية طباع القائد السياسي بالمقارنة مع القضايا المطروحة.
وهناك وجه آخر لميركل تكشف عنه صحيفة "دير شبيغل" من خلال حادثة أخرى، تبدو فيها المستشارة وهي تضحك بملء شدقيها في طريق عودتها من زيارة إلى ليتوانيا، وعيناها تلمع بالدموع وجسدها يرتجف برمته.
كانت ميركل قد ذكرت أن الليتوانيين كانوا قلقين بشأن مصنع الطاقة النووي الذي تبنيه بيلاروسيا على الحدود. وعلى ما يبدو، فإن رئيس وزراء ليتوانيا قرر في أحد الأيام أن يقود دراجته إلى الموقع مع عائلته، متخفياً كسائح. وميركل التي تبدو مستمتعة بأقوالها عند هذه النقطة، تقول بعد ذلك إن شرطة بيلاروسيا قررت احتجاز رئيس الوزراء الذي يقود دراجته.
وهنا تبدأ في الضحك مقهقهة. فالمستشارة الألمانية تجد في الكثير من التفاصيل التافهة التي تتعلق بموقع رئيس الدولة أموراً تبعث للتسلية، ولا يمكنها تصور أن يقوم رئيس دولة بقيادة دراجته إلى موقع بناء مصنع للطاقة النووية في بلد مجاور، وهو الأمر الذي تجد فيه مبعثاً للضحك إلى درجة كبيرة.
وضحك ميركل بالتالي شبيه برد فعل الرئيس النيجيري على قصتها حول إعداد الفطور لزوجها بحسب "دير شبيغل". ففي الحالتين، يعبر زعيم دولة عن استغرابه الشديد على النهج المرتاح لزعيم دولة أخرى، حيث إن كل زعيم لديه فهم خاص لحدود التعبيرات الإنسانية الجائزة له، ويقر أيضاً بوجود خط لا يمكن تجاوزه.
مستشارة متحفظة
أنغيلا ميركل المولودة في عام 1954 هي زعيمة الاتحاد الديمقراطي المسيحي أحد أبرز الأحزاب السياسية في ألمانيا، تولت في عام 2005 منصب المستشارة الألمانية، وكانت أول امرأة تتولى هذا المنصب.
عاشت في ألمانيا الشرقية حتى انهيار جدار برلين عام 1990. درست الفيزياء في جامعة لايبزغ.
انضمت لحزب النهضة الديمقراطية في عام 1989 في أول انتخابات حرة تجري في البلاد، وبعد الوحدة الألمانية انضمت إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
في عام 1990، أصبحت وزيرة لشؤون المرأة والشباب تحت حكومة هلموت كول، ثم وزيرة البيئة وحماية الطبيعة والأمان النووي عام 1994. بعد هزيمة كول في انتخابات عام 1998، صعدت ميركل لتصبح الأمينة العامة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في عام 2000.
وحصل الحزب بزعامة ميركل على أعلى نسبة في الانتخابات النيابية عام 2005 بفارق بسيط أمام الحزب المنافس الحزب الديمقراطي الاجتماعي بزعامة غيرهارد شرودر. وتم الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية تقودها ميركل لتصبح أول مستشارة لألمانيا.
