عدة أسباب قادت المخرج العراقي عرفان رشيد لتحويل سيرة وثائقية صوتية إلى فيلم "كنت هناك في بغداد"، قال حولها لـ "البيان": "قبل 25 عاماً سألت الشاعر الإسباني رافائيل آلبيرتي عن المنفى، فأجاب: "في لحظة ما من حياتك غريباً يتحوّل المنفى إلى وحش دموي يحاول اقتلاع جذورك من داخلك، بمقدورك الصمود إذا ما اقتنعت حقاً بأنك لا تزال هناك في وطنك"..
الفيلم مقاربة آسرة بين شعبنا العراقي وعذابات الشعوب الأخرى، صنعها الاضطرار للغربة، واللجوء إلى بلد آخر، ننقذ فيه أنفسنا وعائلاتنا ومستقبلنا.
وإيمان بأنني لا أريد الموت بعيداً عن العراق، نتيجة استمرار حماقات السياسيين الجدد، وعدم تقديرهم للحظة التاريخية لبناء الوطن، بعد مرور 10 سنوات من انهيار نظام صدام حسين. والعرض الوثائقي يحمل في جعبته تياراً للوعي بأهمية ارتباط مفهوم الديمقراطية بالتنمية والكرامة، وفتح آفاق أوسع للمشاركة الإنسانية".
ماذا تحقق؟
الرائحة السياسية تفوح من عوالم الفيلم، ومقاربة حركة عام 1963 في العراق وغيرها بالنكبات السياسية في الأرجنتين وتشيلي، تخللها بيان مراحل استمرار المعاناة العراقية، ونجاح شعوب أخرى في محاسبة ماضيها، وتحقيق مناح أفضل للكرامة الإنسانية، أطلعنا بصورة أكبر عن أبعاد فكرة الفيلم.
الحُلم الذي كان يعيشه معظم العراقيين، الذين اختاروا المنافي، تبدد وتحول إلى كابوس خلقه توقف العملية السياسية العراقية الآن منذ انتهاء حكم صدام حسين.
"كنت هناك في بغداد" مجموعة أسئلة، أولها، ماذا تحقق للمواطن العراقي منذ التحول السياسي الأخير، لا شيء، بسبب عدم وعي الساسة في العراق بالفرصة التاريخية لبناء وطن بالكامل، أكاد أراه جوهرة ثمينة فتتوها إلى رماد خرج من أيديهم، ولم يبق لشعبه سوى العذاب. الفيلم ينقل إحساسي بالإحباط، لأن العيش خارج الوطن لم يكن قراراً نهائياً بالنسبة لي.
وتضمن الفيلم استثمار زيارة قمت بها إلى الأرجنتين لحضور المؤتمر الثالث لوكالات الأنباء العالمية، حيث ذهبت إلى ساحة مايو، التي شهدت حركة "أمهات ساحة مايو"، وحضرتها مسبقاً بمنتصف الثمانينيات، والتقيت بالأمهات اللاتي فقدن معلومات عن أبنائهن المختفين بسبب حرب قادها حكم ديكتاتوري عسكري، وعملت بمقاربة ردود فعلهن ومناهضتهن للاستبداد مع أمهات العراق، ومنهن كما شاهدتم أم حسين.
الفصل الأخير
سيناريو الفيلم مدونة يومية، سجلتها بصوتك، ثم أسمعتها إلى أشخاص عراقيين وغير عراقيين، ومنهم زوجتك التي لا تعرف العربية، وصديقة جزائرية، والسينمائي الإماراتي مسعود أمر الله، وأخرجته للعالم سينمائياً، ماذا كنت تطمح من فعل المشاركة؟
هنا يكمن جمال الفيلم، وهو فعل المشاركة، الذي ساهم أولاً في إحساسي بأنني لست وحيداً، وجميعهم توصلوا إلى نفس مغزى الصوت، وهو عذاب الانسلاخ من الذكرى والأهل والأم، والرغبة في العودة الملحة ومعايشة كل هؤلاء.
وبعد العرض الأول للفيلم في مهرجان الخليج السينمائي، شعرت أكثر بهذا البعد، من خلال عشرات المشاهدين الذين شكّلوا معي مجموعة واحدة، ومنهم من جاء إلي مؤكداً أنه ليس مهماً أن أكون هناك في العراق، ولكن أن يبقى الوطن حياً في داخلي. وعزز التشارك بأن يكون الفيلم الفصل الأول وليس الأخير لما سأرويه أكثر عن هذه الأرض.
مكلوم الفؤاد
أوضحت أنك غير مهتم بمسمى المخرج السينمائي، ولم يشكل هاجساً بالنسبة لك، ولكن بين الروائي والوثائقي والسيرة، وصفت نفسك بـ عرفان (المكلوم) فؤاده، فهل دعمك لشباب السينما العربية، جزء من المعاناة اليومية عبر حياة فنية تمثل مفهوم إنسانية الحياة؟
طالما أنا على قيد الحياة، سأظل مكلوماً بشيئين، هما بغداد والراحل الصديق كامل شياع مستشار وزير الثقافة العراقي، الذي اغتيل عام 2008، وتم إقصاؤه لأنه سعى إلى بناء العراق.
ويأتي دعم الشباب باعتبارات مبدأ أننا عابرون، وهم مستقبل الأوطان والتفكير في مستقبل أحفادنا قبل أبنائنا، هو ما يجب أن يسيطر على تفكير الأنظمة والمؤسسات، التي لا تؤمن بمقولة: "لو دامت لغيرك ما وصلتك إليك".
مفارقات
كُتب نص الفيلم في ساعتين، خلال رحلة عمل المخرج عرفان رشيد إلى الأرجنتين، مزج فيها بين لقطات أرشيفية إلى جانب تصويره الخاص، موضحاً أن مشهد الفرحة البهيجة التي سادت تشيلي لإنقاذ حياة 33 عاملاً في المنجم، استوقفته، قائلاً: "إن البلد الذي يحترم شعبه جدير بالاحترام، وتكون فيه كرامة الإنسان محفوظة بمبدأ القانون والقيم".
