في ظل الأزمات المتلاحقة التي تمر بها السينما المصرية من أزمات إنتاجية وعزوف جماعي لشركات الإنتاج والمنتجين عن ضخ أموالهم في إنتاج أفلام سينمائية في الفترة الأخيرة وكذلك غياب الرؤية الفنية الجيدة في الأفلام السينمائية من ناحية أخرى والتي سببت انتكاسة كبيرة للسينما والتي نتجت عنها النمطية والسطحية وغياب معالجة القضايا المجتمعية الهامة والتجديد في المضامين السينمائية بسبب غلبة الطابع التجاري على هذه الأفلام ورفع شعار "الربح أولًا" ثم "السينما ثانيًا" وهو ما دفع جيل جديد من السينمائيين الشباب الذين اعتبروا السينما التجارية أو الرسمية لا تعبر عنهم ولا عن قضاياهم .
فأخذوا في البحث عن سينما بديلة لتكون منبرا لفنهم والتي استطاعت أن تثبت جدارتها من خلال استقلاليتها، وعامل نجاحها الظاهر بتكلفتها القليلة والمتوسطة للفيلم حتى وإن شارك بعض النجوم الكبار فإنه يكون بنوع من التطوع ومع ذلك فإنها تقدم كسينما مستقلة رؤية جديدة ومضمونًا سينمائيًا حرًا وجريئًا.
الشتا اللي فات
ولعل البداية الحقيقية للسينما المستقلة والتي نبهت الجميع بأنها قادمة هي منذ بضعة أعوام تقريبًا في فترة ظهور أفلام "ميكروفون" و"هيليوبلس" للمخرج أحمد عبد الله و"عين شمس" والتي لفتت الأنظار إلى نوع جديد قادم إلى السينما المصرية وطغت عليها الشبابية والتجديد وكذلك الجرأة في تناول الموضوعات وخاصة بعد تحقيق هذه الأفلام لاسيما فيلم "ميكروفون" العديد من الجوائز والتكريم في العديد من المهرجانات الدولية إضافة إلى الأفلام المستقلة الأخرى مثل "بصرة" للمخرج أحمد رشوان وفيلم "الحاوي" للمخرج إبراهيم البطوط والتي كان آخرها فيلم "الشتا اللي فات" للفنان عمرو واكد والتي فضل البعض وصفها أفلام "الديجيتال"؛ نظرًا للكاميرات المستخدمة في التصوير بدلًا من مصطلح السينما البديلة أو المستقلة .
مزايا مستقلة
شريف مندور أحد المخرجين المستقلين يؤكد على مزايا السينما المستقلة فيقول: "استطاعت السينما التقليدية أن تأخذ من المستقلة عدة مزايا فأخذت المنطق المستقل في الإنتاج والشكل فمثلا هناك أفلام منتجة من قبل شركات كبيرة ولكنها تأخذ شكل الأفلام المستقلة وكذلك اتجه المنتجون إلى تقليل أجور النجوم الفلكية والاستعانة بالوجوه الجديدة الشابة والتي استطاعت بموهبتها أن تغطي على أسماء النجوم الكبار وكذلك التكاليف الكبيرة المهدرة في الأفلام التجارية مثل المشاهد الخارجية وإيجارات أماكن التصوير واستئجار فرق ماكيير وخبراء تجميل ومساعدين شخصيين للفنانين إضافة إلى كثرة أعضاء فريق الإنتاج وغيرها من العوامل التي استغنت عنها السينما المستقلة والتي لاتزال باقية في السينما التقليدية والتي بدورها ترفع ميزانية الفيلم إلى السماء .
على الرغم من المزايا الكثيرة للسينما والتي جعلها تفرض نفسها بقوة على كثير من المنتجين والمخرجين الذين تحولوا إلى السينما المستقلة وكذلك الجمهور والقنوات الفضائية والمراكز الثقافية ودور العرض المختلفة التي أجبرتها كساد السينما إلى الاستعانة بالأفلام المستقلة إلا أن المعادلة الأصعب التي حققتها السينما المستقلة وعجزت عنها التجارية عن تنفيذها هي مناقشة ومعالجة أصعب وأجرأ الموضوعات والمشاكل الاجتماعية بأقل التكاليف وأقل ميزانية مع جودة أكبر في الإخراج والتصوير والأداء .
معوقات
ولكن لاتزال السينما المستقلة تواجه العديد من المشاكل والتحديات التي تعوق انتشارها واستمرارها فتقول الناقدة الفنية فايزة هنداوي: "لاتزال بعض جهات الإنتاج والتوزيع والعرض تتعامل بمنطق الربح والتجارة في عرض الأفلام في شاشات السينما والتلفزيون فعرض فيلم مستقل لنجوم شباب لن يحقق الغرض التجاري مقابل عرض فيلم لنجم شباك كبير أو فيلم كوميدي أو تجاري أيًا كان وهو انتقاد خاطئ لأنه من المفترض أن تعرض دور العرض جميع التصنيفات أمام الجمهور وخاصة أن الذوق العام قد تغيّر بعد الثورة وهو بحاجة الآن إلى من يعالج مشكلاته الحقيقية ومناقشة قضاياه المجتمعية المهمة".
وتضيف هنداوي بأنه لابد من كسر الحاجز النفسي بين الجمهور والسينما المستقلة عبر حل مشكلة التوزيع والانتشار من خلال السينما أو التلفزيون الذي بدأ في الاهتمام بعرض الأفلام المستقلة على قنوات الأفلام المتخصصة المختلفة، إضافة إلى المشكلة الكبيرة التي تواجه سمعة الأفلام المستقلة بتصنيفها تحت مسمى "أفلام مهرجانات" وهو مسمى ظالم في الأساس للسينما بشكل عام لأنه بمجرد إلصاق ذلك المصنف بالفيلم يغيب الجمهور عن عرض هذه الأفلام ويكتفي صناعة بالتكريم والتقدير بالمهرجانات المختلفة دون وجود غطاء جماهيري للنجاح.
فرصة ذهبية
يلاحظ أن هناك اتجاهًا لدعم السينما المستقلة سواء عن عمد أو أن الظروف تأتي في صالحها ، فبدأت المراكز الثقافية والفنية المستقلة والحكومية في دعمها وعرضها للجمهور بالمجان أو أسعار رخيصة ضمن أنشطتها وبرامجها التي تقدمها لأعضائها وروادها إضافة إلى دعم وزارة الثقافة والجهات الرسمية المختلفة للأفلام الشبابية سواء دعم مالي وفني على الرغم من استمرار البيروقراطية التي تقتل الأعمال الشبابية مثل تصاريح التصوير والرقابة والعرض.
