صراع طويل قائم بين الفنانين والرقابة الفنية، حتى تحوّل إلى حرب بين هيئة الرقابة على المصنفات الفنية والفنانين، وتاريخ مليء بالأزمات والصدامات إلى أن قامت ثورة 25 يناير 2011 وجاءت الفرصة للفنانين للانتقام من جهاز الرقابة والتخلص منه، فظهرت دعاوى لإلغائه نهائيًا، بينما هناك من يرى أنه لابد من تطويره مع الإبقاء عليه خشية حدوث حالة من الفوضى الفنية في مصر.

وانقسم الفنانون على أنفسهم بشأن تحديد مصير جهاز الرقـــابة، فمنهم من رأى ضرورة إلغائه تمامًا، ومنهم من رأى ضرورة تطويره، ومن طالب بتقنينه.. وظهر رأي يُبرر ذلك اعتمادًا على نظرية المسؤولية الاجتماعية للفنان وإحساسه بالحرية المسؤولة التي في يديه، واستخدامها لصالح المجتمع وليس ضد المجتمع وعاداته وتقاليده.

كما نادى البعض ومنهم من داخل الجهاز الرقابي نفسه بتحويل الرقابة إلى جهاز تصنيفي فقط، وليس جهاز رقابي تعتمد في مهمته على تحديد الفئات العمرية التي تتعرّض لها الأفلام أو تصنيف نوعية الأفلام وليس له أي دخل في المضمون الفني نفسه.

والغريب أن هناك شخصيات من داخل الجهاز نفسه مارسوا أشكالًا عديدة من الرقابة الشديدة التي وصلت لمنع أفلام كبيرة ولمخرجين لامعين من الظهور إلى الآن، وقد تحوّلوا إلى مهاجمة الجهاز الرقابي ووصفه بالجهاز القمعي مثل مدكور ثابت وسيد خطاب اللذين توليا رئاسة جهاز الرقابة على المصنفات الفنية.

إلا أن المعايير التي تحكم عملية الرقابة على الأعمال الفنية غير واضحة، ما جعل الشكوك تدور حول صلاحية الأشخاص المتحكمين في الرقابة على الفن واتخاذ القرارات بشأن الموافقة على الأفلام من عدمها، ولكن يبقى الخوف من إلغاء الرقابة قائمًا حتى بين الفنانين أنفسهم؛ لأن ذلك قد يعرّض الفن إلى التشويه والانفلات السينمائي الذي بدوره قد يلحق الضرر بالأعمال الجادة أو المحافظة.

خط أحمر

ومن أهم الأشياء التي تمتنع الرقابة على الموافقة عليها أو تمريرها في عهد النظام السابق عدم الخوض في الأمور السياسية إطلاقًا والتي جعلت من وجوه عديدة دائمة الوقوع في صدامات مع الرقابة مثل الفنان هاني رمزي من فيلم "جواز بقرار جمهوري" مرورًا بـ"بعايز حقي" وإلى "سامي أكسيد الكربون"، وكذلك بعض المسرحيات التي منعت من العرض إلى الآن . ولكن بعد الثورة مباشرة تحوّلت معايير الرقابة من السياسة إلى الدين وعدم الخوض في الأمور الدينية أو الثوابت انطلاقًا من فكرة وأد الفتنة الطائفية في البلاد.

وجاءت سلسلة طويلة من الأفلام التي دخلت في صراعات عديدة مع الجهاز الرقابي مثل فيلم "الملحد" الذي جاء من تأليف وإخراج نادر سيف الدين، والذي دخل في صراعات عديدة انتهت بعد ذلك بتحويل الفيلم إلى مشيخة الأزهر للحكم عليه؛ نظرًا إلى أن الفيلم يروي قصة شاب ملحد، مما جعل الرقابة ترفض الفيلم بحجة إثارة الجماهير طائفيًا.

لا مؤاخذة

وفي الأخير، دخل المؤلف والمخرج عمرو سلامة في صراع إلى الآن مع الرقابة، بسبب فيلمه الأخير "لا مؤاخذة" والذي اعترضت عليه الرقابة بشدة واتهمته بإثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين عن طريق تصوير معاناة طفل مسيحي منذ دخوله المدرسة من عنصرية المدرسين عن طريق جملة قالها المدرس حينما تعرف إلى الطلاب الجدد وسألهم عن أسمائهم وقال: "الحمد لله كلنا مسلمين". وهي العبارة التي أصابت الطفل بالألم والضيق لأنه المسيحي الوحيد في الفصل ولم يستطع إشهار ديانته إلى آخر الفيلم، وطالبت الرقابة المخرج بتغيير ديانة الطفل وتغيير اسم الفيلم حتى يخرج الفيلم إلى النور.

إلا أن عمرو سلامة قرّر عدم الانصياع لأوامر الرقابة والإصرار على الفيلم كما هو، ولجأ إلى وزير الثقافة لكي يتوسط له عند الرقابة، وبالفعل انتهت المفاوضات بتغيير اسم الفيلم وديانة الطفل ووافق سلامة على ذلك لكي يستطيع بدء تصوير الفيلم .

الدور الرقابي

ودخل الناقد والمؤلف محسن الجلاد في صراع مع الرقابة بسبب مسلسله "المزرعة" الذي تحفّظت عليه الرقابة ومنعت تصويره والذي له صراعات سابقة مع الرقابة في مسلسلاته "للثروة حسابات أخرى" و"قضية رأي عام" وغيرها في الهجوم على الرقابة وشكك في هيئتها الحالية برئاسة سيد خطاب.

وبعد ثورة 25 يناير مباشرة صدر بيان وقع عليه أكثر من 700 شخصية ما بين فنان ومخرج وناقد وعامل بالوسط الفني طالبوا فيه بإلغاء الدور الرقابي وقصره فقط على تصنيف الأعمال من الناحية العمرية فقط وحسب وسيلة المشاهدة، وكذلك تعديل قانون الرقابة.

 

تعنت رقابي

انتقد البيان الذي صدر بعد ثورة 25 يناير الجهاز الرقابي لما له من دور في ظهور أعمال سينمائية رديئة؛ نظرًا إلى اختفاء الأعمال الجادة بسبب تعنت الرقابة ولذلك يجب إلغاؤه تماشيًا مع روح العصر والثورة وثورة المعلومات والتكنولوجيا، وجاء فيه أيضًا: أدى هذا التضييق الرقابي إلى ظهور موجة ما يسمى "الأفلام المستقلة"، وهي التسمية التي تطلق في مصر على الأفلام التي يتم صناعتها بطريقة "غير شرعية" بعيدًا عن عيون الرقابة وتصاريح وزارة الداخلية .