أحلامه تعانق السماء، ترسم قصصاً متكاملة، تسافر فيها الموسيقى إلى خشبة المسرح، في لوحة بصرية لا حدود لها.. بداخله موسيقى لا تتوقف عن العزف، ومع قانونه تبدأ حكايته التي ينادي فيها الروح، ويسرح معها في الجنائن المعلقة، على أمل لقاء الأحبة على ضفاف الرافدين. إنه الفنان العراقي وعازف القانون فرات قدوري الذي نشأ في عائلة فنية من الدرجة الأولى، وكبر على صوت الموسيقى حتى تحولت إلى شغف. قدوري أشار في حوار أجرته معه «البيان» إلى أننا نفتقد في بلداننا العربية إلى الثقافة الموسيقية التي نشتم عبقها في رصيده الفني بـ5 أسطوانات تعكس تجربته الإنسانية، حالماً بإنشاء دار للأوبرا في الشارقة، وإلى التفاصيل..

كنت تعتبر القانون منفى، ولكنك حَوّلته بعد ذلك إلى وطن، كيف؟

لم تكن هذه الآلة تجذبني نحوها في البداية، وكان إصرار والدي على تعلمها بمثابة عقوبة ومنفى، حتى بدأ شغفي بها يكبر منذ سفري إلى باريس، وأدهشني اهتمام الغرب بهذه الآلة وانبهارهم بها، فبدأت ألتفت نحوها وأشعر بأنها مختلفة عن غيرها، واستطعت أن أحولها إلى وطن بعد رحيلي عن وطني، فهي بأصالتها تربطني ببلدي وتراثي.

هل تفرض آلة القانون على عازفيها أي قوانين؟

بداية، سُميت هذه الآلة بالقانون لأنها تعتبر دستور الآلات العربية، وتمتلك مساحة صوتية لا يمتلكها غيرها، ويتخوف الكثيرون منها في البداية، ولكن بمجرد التعامل معها ومحاورتها يتشكل بينها وبين العازف ارتباط روحاني كبير، والصعوبة فيها تكمن في التقنية والتعامل مع العُرَب، ومشكلة القانون الأساسية أنها آلة ثقيلة ويصعب التنقل بها من مكان لآخر.

يتميز القانون بطاقته وإمكانياته اللامحدودة، فمن الذي يضيف للآخر، هو أم الموسيقي؟

يحتوي القانون على 26 نغمة و78 وتراً، ما يجعله يتميز بمدى صوتي واسع، ولكن يجب مراعاة أن تكون الآلة متقنة من حيث الصناعة، ومضبوطة القياسات، فإن توافر ذلك فلا شك أن العازف سيبدع، وفي رأيي أن الموسيقي هو من يضيف لهذه الآلة ذات الطاقة الهائلة، وإن اســتغل طــاقتها بحرفية سيقدم معزوفات وحكايات لا تنتهي.

عبق الوطن

في رصيدك الفني اليوم خمس أسطوانات تحمل عبق الوطن، ما الرسائل التي أردت توصيلها من خلالها؟

أردت أن أوصل القانون للناس بأي شكل من الأشكال، كما أردت توصيل ما بداخلي من مشاعر وحنين لبلدي، وأعتبر كل أسطوانة تجربة إنسانية وإضاءة على مرحلة معينة من حياتي.

كيف تصف أسلوبك الموسيقي؟

أسلوب تأملي وروحاني إلى حد كبير، وقد اكتسبت من أسلوب الموسيقار الراحل منير بشير الكثير في ما يتعلق بالتقاسيم، فهو حين يعزفها يجعل من الصمت معزوفة، فيحاكي المستمع بهذا الصمت، وقد عشقت صمته لما يولده بداخلي من أحاسيس ومشاعر مختلفة، وبنظري هذه هي قمة الإبداع.

يتميز إرثنا الموسيقي الثقافي بكم هائل من الإبداع والأنماط الرائدة، إلا أن النمط الغربي يفرض نفسه وأدواته على فننا، لماذا برأيك؟

المشكلة التي تعاني منها بلداننا العربية هي سيادة الغناء على الموسيقى، فليس لدينا متلقٍ عربي يسمع الموسيقى لمدة ساعة متواصلة إلا إن كان مولعاً بها، وهؤلاء نسبتهم قليلة، وقد عزفت في أوروبا في أكثر من 145 حفلاً، وفي كل مرة كنت أُفاجأ باهتمام الجمهور الغربي بالاستماع للموسيقى الآلية، ونقاشهم حول النغمات الجديدة التي لم يسمعوها من قبل، وتساؤلاتهم عن تاريخ آلة القانون، وفي بلداننا العربية نحن نفتقد الثــقافة الموسيقية وثقافة الاستماع، وهذه مشكلة أكاديمية، والمشكلة الأكبر أن أغلب السمعيات والمرئيات اليوم لدينا مخزية.

ثقافة تعزيزية

وسط ذلك المستوى المتدني للفن، هل تغيرت النظرة للموسيقى العربية ولم تعد كما كانت في السابق علماً وأدباً؟

للأسف نحن في الوطن العربي لا نتعامل مع الموسيقى كعلم وأدب رغم أن لدينا موسيقيين رائعين، كما نفتقر للمنهجية الموسيقية، ونحتاج في مدارسنا لتعزيز الثقافة الموسيقية بحيث يتم إدراج درس الموسيقى وفق المعايير الصحيحة، ليتعلم الطلاب النظريات الموسيقية والصولفيج الغنائي وتاريخ الموسيقى العربية، وهذا كفيل بخلق جيلٍ واعٍ يتذوق الموسيقى ويعتبرها تغذية روحانية.

 

دعم

فرات قدوري حقق حلمه الفني الأهم، وهو إنشاء مركز فرات قدوري الموسيقي الذي أعتبره خطوة نحو التغيير للأفضل والأرقى، وقد تحقق بفضل الله ودعم الشيخة بدور القاسمي، رئيس هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق»، هذه الإنسانة الرائعة التي لم تتوان عن دعمي وحولت حلمي إلى واقع، ولا يزال لدي حلم سأسعى جاهداً لتحقيقه وهو إنشاء دار للأوبرا في الشارقة.