النجاح التجاري للفن من أهم دلالات النجاح للفنانين أو السلعة الفنية المقدمة، وكذلك فإنه يمثل مؤشرًا لسقوط الفنان وكساد سلعته.. ومن أهم هذه الدلالات هي إقبال الشركات التجارية على استقطاب المغنين للترويج لمنتجاتها أو خدماتها، ولعل التطوّر الذي حدث في سياسة هذه الشركات في طريقة اختيارها للمغنين تطرح التساؤل حول حساب معدل نجاحهم بقدر تهافت الشركات على استقطابهم .
وبالرجوع للوراء قليلًا؛ نجد أن العادة جرت على أن تختار شركات المشروبات الغازية نجمًا غنائيًّا عالميًا وعربيًّا؛ ليقوم بحملتها الإعلانية السنوية، وكانت بورصة النجوم تتغير على حسب النجم الذي ستختاره الشركة كل عام واختيار نجم ما؛ لإعلان واحدة من شركتي المشروبات الغازية يعد بمثابة تنصيب هذا الفنان كنجم للعام مثل عمرو دياب أو تامر حسني أو إليسا وهيفاء وهبي وغيرهم.
الأغنية البديلة
بعد عام من الثورة اختارت شركة المشروبات الغازية فريق "وسط البلد" بديلًا عن تامر وعمرو للقيام بحملتها الإعلانية، بينما اختارت الشركة الأخرى فريق "كاريوكي" مع المغنية عايدة الأيوبي؛ بديلًا عن الفنانة نانسي عجرم، وهما فرقتان من الفرق الغنائية التي ظهرت قبل الثورة وتنامى جمهورهما في الأماكن الثقافية المستقلة التي كانت تستضيف حفلاتهما الغنائية أو من خلال تسجيلاتهما، التي كان يتم تبادلها مجانًا على الإنترنت فيما يعرف بالغناء المستقل أو الغناء البديل".
إلا أن ذلك المنحنى في طريقة اختيار نجوم الإعلانات إلى هذا الحد قد يبدو طبيعيًا إلى أن جاءت إحدى شركات الاتصالات الأخرى باستقطاب نجوم عدة لتصوير إعلان تجاري وأغلبهم يمثل الغناء الشعبي والمحلي في مصر وبعضهم ينتمي للفرق الغنائية المستقلة، وضمت أغاني نوبية وفلاحية وسيناوية وسواحلية وصعيدية..
وأخيرًا "راب" وأغاني مهرجانات، وهي التي مثلت مفاجأة في حد ذاتها في طريقة اختيار النجوم بسبب النجاح الساحق الذي حققته تلك الأغنية وانتشارها الواسع وارتفاع نجم نجمي أغاني المهرجانات "أوكا وأروتيجا"؛ بسبب ذلك الإعلان.
بعد ذلك الإعلان زادت شهرة أوكا وأروتيجا وزاد الطلب عليهما في الظهور في الأفلام السينمائية والحفلات، وكذلك الحفلات الخارجية مثل حفلة لندن الأخيرة، ما جعلهما وجهًا تجاريًا ناجحًا إلى أن نجحت إحدى شركات المنتجات الغذائية في استقطابهما من جديد إلى أن استطاعت نفس شركة الاتصالات في التعاقد مع هذين النجمين واحتكارهما لصالحها واستغلالهما في ترويج خدماتها ومنتجاتها لمدة لا تقل عن 8 سنين.
الفن البديل
يفسر الكاتب والمؤرخ الموسيقي أحمد ناجي هذه الظاهرة فيقول: "سمح الإنترنت بخلق عالم جديد وتجارب جديدة، وأصبحت صناعة الفن البديل تحاول اللحاق بركاب هذا العالم؛ فالأماكن والمراكز الثقافية التي كانت ترفض استضافة حفلات الفرق التي تقدم موسيقى "الراب" أو المهرجانات لم تجد أمامها بعد فترة إلا القبول بهم؛ خصوصًا بعد أن تحوّل بعضهم بفضل الإنترنت إلى أسماء لديها جمهورها".
ويضيف ناجي: "لكن مع بداية الألفية وبفضل سياسات العولمة والانفتاح الاقتصادي التي سمح بها النظام لتشمل السماح بالتمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني ومنها تلك التي تركز على التنمية الثقافية؛ تغيّر المشهد لتصبح هناك منظومة كاملة ترعى ما يسمى بـ"الفن البديل" في كل المجالات ومنها مجال الأغنية ووجدنا أماكن ثقافية تتميز بجمهورها الذي ينتمي للطبقة المثقفة مثل مسرح الجنينة يستعين بنجوم الغناء الشعبي والمهرجانات مثل "أوكا واروتيجا" و"عمرو حاحا" وغيرهما.
انخفاض التكلفة
ولكن يبقى التساؤل لماذا بعد الثورة يتم اختيار فرقة مستقلة لتنفيذ إعلان شركة مشروبات غازية ، لماذا لم يتم اختيار عمرو دياب أو حمادة هلال أو محمد فؤاد رغم أن الثلاثة قدموا أغاني للثورة ؟
يجيب عن هذا التساؤل الباحث في الانثروبولجيا الموسيقية علي شاريير، فيقول: "من غير الواضح إذا ما كان الهدف الرئيسي من هذا التحول في العلاقات العامة والتسويق يهدف فقط لاستمالة القلوب والعقول ولكن من الواضح أن هذا التحول أيضًا يعكس بشكل أساسي مبادئ اقتصادية بديهية، إذ إن الأموال التي كانت هذه الشركات تنفقها على نجوم مثل عمرو دياب وهيفاء وهبي تفوق بأربع أو خمس مرات ما حصلت عليه فرقة "كايروكي" أو "أوكا وأورتيجا" على الإعلان الذي قاموا به.
