تحدثت في عددٍ من المقالات السابقة عن صفاتٍ سلبية عدة تستفزني في المبدع العربي على وجه العموم، وفي المصور العربي بشكلٍ خاص، الذي رغم اعتقادي بفرادة إبداعه وتميّزه بالفطرة، إلا أنه كسولٌ ومتواكلٌ، كثير الشكوى فقيرُ المعرفة.

ويبدو أن رسائلي الموجّهة له هنا بدأت تؤتي ثمارها وتحقق بعض أهدافها، حيث ان حَدَث الجمعة الماضية يثلج الصدر ويسعد الخاطر ويقرّ العين. الحضور فاق 100 شخص جميعهم من المصورين العرب الذين تهافتوا على حضور ورشة العمل التي نظّمتها الجائزة بعنوان "صورة.. تغير مجرى حياتك"، والتي قدّمها علي بن ثالث الأمين العام للجائزة، وهو مصوّرٌ بارع وخبيرٌ متفرّد في مجاله.

كان التعطش هو العنوان، فمادة الورشة كانت شديدة الجاذبية والأهمية لكل مصوّر ينوي الذهاب بعيداً في هذا العلم الممتزج بالفن. فقد أخذ المحاضر الحضور في رحلةٍ خلاّبة بين بداياته في عالم التصوير وطبيعة علاقته بالصورة وبأنواع الكاميرات المختلفة واستخداماتها المتغيّرة تبعاً لظروف التصوير. التفاعل الإيجابي من الحضور كان طاغياً على الورشة ومفعماً بالطاقة والحماس والاستزادة من الفائدة والتقاط المعلومات والتجارب والتفاصيل الصغيرة المهمة.

ثم عرجت الورشة على مساحاتٍ غاية في الأهمية والخصوصية لدى أي مصور صادق النية في التعلّم واكتساب المهارات الاحترافية، كالفرق بين الهواية والاحتراف، ذلك الخط الذي كان ومازال مبهماً عند كثير من المصورين العرب وعند الشركات والمؤسسات التي تتعامل معهم أيضاً.

أيضاً قضية تسجيل وحماية الصورة وهي زاوية غامضة لدى أغلب المصورين والجهل بها قد يكلّف صاحبه غالياً وقد يجر قدميه إلى متاهاتٍ إدارية وإشكالاتٍ قانونية هو في غنى عنها. قضية لا يحق لجاهلٍ بها أن يقوم حتى بالهمس لنفسه بأنه محترف. كما سلّطت الضوء على محاور مهمة كتوثيق الصورة والتأمين وصولاً لنقطةٍ تشغل بال الجميع وتتواجد في مقدمة أولوياتهم ألا وهي تسويق الصورة.

أما المهارات الفكرية الأساسية في التصوير فكان دورها في محور مصادر المعرفة وهي بشكلٍ آخر دليل المصوّر للتشغيل الأمثل لعينيه، فهنا يكتسب المصوّر آلياتٍ فنيةٍ دقيقة في طريقة إدارة علاقته مع عينيه لتكون المصدر الرئيسي لتكوين هويته البصرية التي تقود سيرورته الفنية كمصوّر مبدعٍ مستشعرٍ لحساسية الضوء والألوان والمناظر والزوايا والأطر المختلفة.

كانت ورشة مشتعلة بعشق الصورة والطيران في مداراتها، سعدتُ كثيراً بالحضور الذي استفزته كلماتي فجاء ليثبت العكس بكل جديةٍ والتزام، سعدتُ أكثر بالحضور من خارج الدولة ممن أثبتوا لأنفسهم ولنا أنهم على الطريق الصحيح المفروش بألوان المتعة وإضاءات المهارة وروح المعرفة والفائدة والاستزادة.

لكم يشرّفني أن أقول لكم: إني بحضور هذه الورشة كنت من أوائل التلاميذ الذين استقوا فنون علم التصوير من علي بن ثالث الأمين العام للجائزة، فكما هو خبيرٌ في التصوير تحت الماء، هو بحرٌ زاخرٌ بمئات الأسرار اللؤلؤية عن عالم التصوير الممتع.

فلاش:

لا أروع من أن تتبحّر كل يومٍ أكثر.. خصوصاً في فنٍ أو علمٍ يأسرك بعظمته