في ذاكرة الإمارات، وتحديدا في أرشيفها السينمائي الذي يعود لأواخر الثمانينات، يعيش "عابر سبيل" أول فيلم إماراتي روائي طويل للمخرج السينمائي علي العبدول، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن نجد الأفلام الإماراتية الطويلة تراوح مكانها، فرغم بعض المحاولات التي أثمرت تجارب ناجحة، إلا أن العجلة تدور عاما وتتوقف آخر، ونصيب السينما الإماراتية من الأفلام الروائية الطويلة قليل جدا. فما الدواعي الحقيقية التي تمنع عجلة الأفلام الطويلة من الدوران، وما الأزمة الحقيقية التي تعاني منها السينما الإماراتية، وما الذي تحتاجه لتنمو وتزدهر وتنافس غيرها ؟. هذا ما أجابنا عليه صناع السينما الإماراتية في التحقيق التالي.

مسابقة عادلة

يرى المخرج السينمائي خالد علي أن أزمة السينما الإماراتية الحقيقية تكمن في عدم وجود دعم مادي، بالإضافة إلى عدم وجود جهات رسمية تدعم الأفلام الطويلة ذات التكلفة الكبيرة، ويقول: نحن بحاجة لجمعية أو جهة ترعى السينما والشباب المبدعين أصحاب الرؤية، كما نحتاج لمسابقة عادلة لدعم المشاريع، بشرط أن تكون عملية اختيار الأعمال منطقية لا تعتمد على العلاقات الشخصية، فبعض المؤسسات الداعمة للأعمال السينمائية تضع شروطا تعجيزية لا نستطيع الالتزام بها، ونتفاجأ بأن اختيارها يقع على عمل لا تنطبق عليه الشروط التي وضعتها أبدا!.

ويطالب خالد علي- كغيره- بجهة حكومية تتبنى مهمة تنفيذ الأعمال السينمائية الإماراتية المتميزة التي توصل الرسالة بشكل صحيح وتحافظ على القيم الحقيقية للمجتمع، معترفا بأن كل ما تم تقديمه في مجال السينما الإماراتية ما هو إلا تجارب فيديو، وليس سينما حقيقية، ومشيرا إلى أن الفترة الأخيرة شهدت استخدام كاميرات السينما الرقمية بأسس سينمائية بحتة، وهو ما يبشر بالخير.

قاعدة صلبة

ويرى المخرج السينمائي وليد الشحي الذي يبحث في الوقت الحالي عن تمويل لفيلمه الروائي الجديد، أن السينما الإماراتية بحاجة لتأسيس قاعدة صلبة، وليس لأفلام تجارية تنافس غيرها، ويقول: المهم في المرحلة الحالية أن يكون لدينا نتاج سينمائي نمثل به دولتنا في المهرجانات، وهذا يتطلب وجود جهات رسمية حكومية تتولى مهمة دعم وإنتاج الأفلام الطويلة، كما نحتاج معاهد وكليات تقدم ورشا ودورات تدريبية في مجال السينما، وأتعجب كيف وصلت دولتنا إلى أعلى المراتب في جوانب كثيرة، ولا تزال السينما تراوح مكانها.! ويؤكد الشحي أن بعض شركات الإنتاج تعاني نقص الوعي في مجال السينما الإماراتية، ولذا فهي تفرض شروطا صعبة، وتتعامل بأساس يخلو من المنطق، وهذا يزيد المشكلة تعقيدا، مشيرا إلى ضيقه من هجر بعض الشباب مجال السينما وتوجههم إلى الإعلانات بسبب تلك التعقيدات.

ويلقي المخرج السينمائي طلال المحمود باللوم على بعض المخرجين الإماراتيين، ويقول: مشكلة بعض المخرجين أنهم اتكاليون، ينتظرون دعم شركات الإنتاج، في حين أنهم قادرون على استخدام كاميرات هواتفهم النقالة في صنع الأفلام الطويلة، وأنا حاليا لدي طموح كبير لعمل فيلم طويل، ولن أدع شيئا يقف أمامي، حتى وإن اضطررت للتصوير بكاميرا الهاتف النقال.

ويؤكد المحمود أن السينما الإماراتية تعاني عدم التخطيط الحقيقي لها، مؤكدا أنه من الضروري أن يتعاون كل من مهرجاني دبي والخليج السينمائي في تقديم ورش تدريبية مستمرة على مدار العام حتى وإن كانت برسوم اشتراك بسيطة، فالسينما بحاجة لمتخصصين في مجال المونتاج والتقنيات والصوت والإضاءة وإدارة المواقع وغيرها.

"ليس لدينا تاريخ للسينما الإماراتية، وهذا سبب معاناتنا الحقيقية"، هذا ما يؤكده المخرج السينمائي محمد المري، مشيرا إلى أن الدولة لديها أفلام وتجارب ومهرجانات، ولكن ينقصها التاريخ الحقيقي للسينما. ويرى أن السينما الإماراتية تقف مكانها، والسبب كما يقــول: ليس لدينا مدارس ومعاهد أكاديمية مختصة بالسينما، كما نعاني نقصا في النصوص الطويلة، ونحتاج إلى كتاب محترفين من أصحاب النفس الطويل، بالإضافة إلى حاجتنا الماســة للتمويل من قِبل أشخاص مهتمين بمجال السينما.

خبرات تقنية

يؤكد مسعود أمر الله، المدير الفني لمهرجان دبي السينمائي، ومدير مهرجان الخليج السينمائي، بأن تراجع الأفلام الطويلة في السنتين الأخيرتين يعود لانشغال أغلب المخرجين بكتابة السيناريوهات أو البحث عن المناسب منها، بالإضافة إلى البحث عن التمويل والخبرات التقنية اللازمة وغيرها من عوامل الإنتاج، ويقول: صنع فيلم طويل ليس بالمهمة السهلة، كما أن دورة إنتاج السينما ليست سنوية، وهذا هو الوضع الطبيعي، وهناك مخرجون يعملون في الوقت الحالي على أفلامهم الطويلة، ما سيجعلنا نشهد ولادة أفلام جديدة قريبا.

 

خطة واضحة

 

"الأزمة تكـــمـــن فـــــي عدم تــــوفر خـــــطة واضحة الملامح للسينـما الإماراتية" بهذه العبارة بدأ المخرج السينمائي هاني الشـــيباني حديثه، مشيرا إلى أن الطموحات بإنتاج أفلام طويلة مستمرة، مؤكدا أنها في تراجع، ويقول: شهدت السنوات الماضية عددا من الأفلام الطويلة، ولكن عدم استمرارها وخصوصا في العامين الأخيرين يجعلنا نتخوف ونطرح تساؤلات عدة حول مستقبل السينما الإماراتية.

ويرى الشيباني أن المهرجانات السينمائية في الدولة تقوم بأدوار كثيرة لا تقع ضمن اختـــــصاصها، ولــــولاها لمــــا ازداد الوعي بمفهوم السينما، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة الحاجة الماسة لمشاركة المؤسسات الثقافية الأخرى وتفعيل دورها الحقيقي في مجال السينما.