تشير الوقائع مجددا إلى أن رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني البالغ من العمر 76 عاما مولع بالفضائح، والأمر المثير للدهشة هو أن شعبيته تزداد أحيانا بسببها. والمزاح أوقع برلسكوني أخيرا في ورطة جديدة، فتلميحاته الجنسية المهينة بحق إحدى النساء العاملات عرضته للانتقاد الشديد، وذلك قبيل الانتخابات البرلمانية التي يأمل أن يعود فيها إلى ولاية رابعة كرئيس للوزراء.

وأفادت صحيفة "صنداي تايمز" في تقرير نشرته أخيرا، أن برلسكوني المعروف "بالمغرر الكبير" كان يخوض حملة انتخابية جيدة نسبيا، قبل أن يضر بموقعه بسبب نكاته الخارجة عن اللياقة وسلوكه الفظ، عندما تحرش بامرأة تدعى أنغيلا برونو، لها من العمر 30 عاما، خلال زيارته لشركة في ميرانو، وهو الذي يلاحقه عدد من الفضائح الجنسية الأخرى.

وهذا المشهد لم تغفل عنه كاميرات التلفزة، لاسيما عندما طلب برلسكوني من برونو أن تستدير قبل أن يحدق بها ويعلق قائلا: "سأترك لك رقم هاتفي". وفي رد على هذه الحادثة، أفادت الشركة أن برونو قالت إنها يشرفها أن تلتقي ببرلسكوني، لكن المرأة المهانة سرعان ما بعثت برسالة على موقع "فيسبوك " جاء فيها: "بوصفي امرأه وأماً، فإن تلميحات برلسكوني لم تشرفني أبدا، بل أحرجتني".

وهذه الحادثة اغتنمها خصمه المرشح من الحزب الديمقراطي من يسار الوسط بيار لويجي برساني، الذي اتهمه بمعاملة النساء "كالدمى المطاطية" واصفا إياه بأنه: "مصاب بمرض من رأسه حتى أسفل قدميه".

لكن برساني الذي يسعى إلى كسب أصوات الناخبات، لم يكتف بهذا القدر فأضاف قائلا: "نسبة 40% من المرشحين لدينا للانتخابات البرلمانية من النساء.. ويفترض بي سؤال برلسكوني كم عدد الدمى التي سيجلبها معه"، الأمر الذي أثار امتعاض النساء الذين كان برلسكوني قد دفع بهن في حزبه "شعب الحرية"، فقالت الوزيرة السابقة في حكومته ماريستيلا جلميني: "نحن النساء في حزب حرية الشعب فخورات بأن نكون مع برلسكوني، وليس مع اليسار البائد العقيم المتخلف الذي لا يبتسم مطلقا ويستغل النكات من أجل توجيه الإهانات".

وبرلسكوني، المرتبط بفتاة الاستعراض السابقة فرنشيسكا باسكال التي تصغره بخمسين عاما، ملاحق أيضا باتهامات بالفساد، ولقد أثار وقوفه إلى جانب مديري أعمال أجبروا على إنكار وجود رشاوى في صفقة مروحيات مع الجيش الهندي حالة من الاستياء، حيث قال: "دفع الرشاوى في الخارج ظاهرة ضرورية" قبل أن يتراجع قائلا إنه أسيء اقتباس كلامه.

لكن الاتهامات بالتهرب من الضرائب والتواطؤ مع المافيا الإيطالية لم تمنع رجل الاستعراض الإيطالي من الوصول إلى السلطة ثلاث مرات من قبل. والإعلام كان دوما موطنه الطبيعي، ومصدر الكثير من ثروته. وهو يستخدم مهاراته على شاشات التلفزيون متحدثا باستمرار عن مؤامرة مزدوجة من إعداد القضاة والشيوعيين في كل حملاته الانتخابية.

تقول صحيفة "فايننشال تايمز" إن برلسكوني أفضل من خاض حملات انتخابية على الإطلاق، فهو" ليس رجل دولة، بل رجل استعراض". وكان قد أكثر من طلعاته التلفزيونية أخيرا واعدا بإلغاء الضرائب وإيجاد 4 ملايين وظيفة جديدة. فازدادت شعبيته بحسب استطلاعات الرأي من نسبة 15% إلى 30% في مقابل 37% لمنافسه من الحزب الديمقراطي ليسار الوسط بيار لويجي برساني.

وبرلسكوني الذي قبل أغلب الإيطاليين بمنحه الحصانة من الملاحقة القضائية، وتقبلوا بنوع من التواطؤ سلوكه المشين، وفضائحه وأدائه السيء في منصبه، لا زال يحظى بحوالي ثمانية ملايين ناخب على استعداد للتصويت له بناء على وعوده الوهمية.

يقول عنه المفكر والفيلسوف العالمي أمبرتو إيكو: "برلسكوني عبقري في مجال التواصل مع الشعب الإيطالي، وإلا لما أصبح على هذا القدر من الثراء، وقد حدد هدفه من البداية، مستهدفا متوسطي العمر الذين يشاهدون شاشات التلفاز. والناس الذين يؤيدون برلسكوني هم أساسا من السيدات اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين الـ50 و60 عاما، إلى جانب المتقاعدين عموما، الذين يشكلون قوة انتخابية هائلة في بلاد تتميز بإيغال سكانها في العمر، ويرى أن جاذبيته تستمد من شعار "ادفعوا ضرائب أقل".

لكن برلسكوني لم يتمكن من الحصول على أغلبية برلمانية أبدا، وكان يتأرجح دوما بين 30-40%. وتمكن من الصعود في ظل فراغ كبير أحدثته أزمة فساد ضربت الطبقة السياسية في إيطاليا في تسعينات القرن الماضي. لكنه كان على قدر كبير من الذكاء السياسي والقدرة على عقد التحالفات من دون اللجوء إلى الأيديولوجية.

لكن المعلقين يرون أن سحر هذا المؤدي الماهر قد لا ينجح هذه المرة، كما في المرات السابقة. فصورة الأوضاع الآن مختلفة في إيطاليا وعلى امتداد أوروبا.

 

 

حياة حافلة

 

 

برلسكوني رئيس وزراء إيطاليا لثلاث مرات خلال الفترات 1994-1995، 2001-2006، و2008-2011، وهو خدم في هذا المنصب لأطول مدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويملك برلسكوني شركات كثيرة في مجال الإعلام والتمويل والمصارف والتأمين والرياضة. ويعتبر من ملوك الإعلام. في عام 2012، وضعته مجلة "فوربس" في المرتبة 169 كأغنى رجل في العالم بثروة صافية قدرها 5.9 مليارات دولار.

ولقد صعد برلسكوني سريعا إلى واجهة السياسة في عام 1994، وذلك على برنامج يركز على هزيمة الشيوعيين. وبعد فترة قصيرة من قراره دخول المسرح السياسي، أفيد أن المحققين في قضية الفساد التي هزت البلاد في أوائل التسعينات كانوا على وشك إصدار مذكرات اعتقال بحق برلسكوني ومدراء كبار في شركاته. وكان برلسكوني عرضة لأكثر من 20 قضية تتعلق بالمحاكم خلال حياته السياسية، بما في ذلك اتهامات بالتهرب من الضرائب وفضائح جنسية، وغيرها.

في عام 2009 أسس حزبا على يمين الوسط يدعى حزب "شعب الحرية".